الأربعاء، 28 فبراير 2018

ما يفارقنا لن يعود


ما يفارقنا لن يعود


هذة الجملة بسيطةٌ للغاية ومعناها واضحٌ لكم لكن لِم يصعُب علينا تقبلها والاستسلام لها؟
لِم لانترك مَن رحل عنا يرحل بسلام فقط حتى وإن غادرنا بضجةٍ صاخبة؟
لم علينا التشبُث به وبذكراه ودُموعنا المختلطة؟ لم نُحب التمسك بالأشياء أو الأشخاص الذين لم يَعودوا ملكاً لنا ؟
مهلاً ملك لنا...!! ألهذه الدرجة كان ظنُنا بهم؟
ربما لأننا استضفناهم في قُلوبنا قبل عقولنا، رُبما لأننا اخترناهم ليُزينوا حديقتنا بوجودهم، ومع الزمن أصبح لهم تأثيرٌ كبير ولم نَعد نستغني عنهم، لذا وحين يأتي موعد الفراق سواء بإختيارهم أم باختيار إرادة السماء، نجدُ أنفسنا في محاولةِ لحمايةِ أنفسنا قبل أن نحميهم، إننا نخشى أن نُفجع فيهم.
وترانا  حين يُفرقهم الموت عنّا نَبكيهم ونظلُ نذكر أثرهم بالخيرِ أبداً، وأحياناً ترانا نكرههم ونبغضهم أشّد البُغض إذا افترقوا عنَّا بمِلأ إرادتهم، ونقلب حديقتنا شوكاً عليهم ونرميهم بالشررِ والنار، لأننا قد نضطر للتعاملِ معهم ولكنهم في هذه الحال لم يعودوا ملكاً لنا.
إذن فالمسألة نسبية ولكن هل تساءلت يوماً ما بصدق : ما الذي تملكه أنت حقاً في كل هذه الدنيا وتستطيع أن تقولها بملأ فيك : أنا أملكُ .......
دعني أخبرك شيئاً قبل أن تجهز إجابتك وتلقي بها في وجهي بكلِ ثقة.
حين كنت طفلاً ظننتَ أن والديك لكَ وحدك، يا للمسكين !، ثم ما لبثت أن أضافوا لك أخوة وأخوات قلبوا عالمك ونافسوك، وإذا كنت مازلت وحيداً فغالباً بعد أن تَكبر وتعي بعض جزيئات عالمنا، ستجدُ نفسك قد انشغلت عمن تملكهم (والديك) وبالتالي خرجتَ أنت عن طورِ ملكيتهم أيضاً، أصبح لديك عالمك الخاص الذي تظن أنك تمتلكه، إنك تنتقل في مراحلِ الحياة لأنك في الحقيقة لا تمتلك شيئاً، تكبر وتعمل وتتزوج وتنجب ولا شئ لك وتمضى بك الأيام بحُلوها ومُرها وأنت مرغم على السيرِ فيها.
لو كان بإمكانك إيقاف الوقت  في لحظاتك الجميلة أو أن تسرع بالزمنِ في لحظات ألمك وحزنك لتمكنت من منحِ نفسك بعض الراحة لشعرت ببعض الخصوصية والمِلكية ولكنك عاجزٌ تماماً مثلي وهكذا تدور الدائرة.
إنك ترى شجرة خضراء ضخمة، تلك الشجرة تكون فخورة بنفسها ومزهوة بين أقرانها، وتظل على مدى السنين تتساقط رويداً رويداً...
وكذلك أنت تتهاوى ببطء لدرجةِ إنك لا تلاحظه، فكل ذرةِ هواء لامست خدك أو داعبت شعرك، وكل أشعة شمس اخترقتك أو انعكست عنك، كل نظرة عين وُجهت إليك وكل مشاعر حب أو كره أو حسد أحاطت بك وكل الأشياء التي مَرت عليك لا تحصى ولا تعد فإنها تأخذ منك جزءاً ضئيلاً وتغادرك بلا عودةٍ وبلا استئذان أيضاً وهكذا تضيعُ ملامحك في الأشياء.
أنك توزع ذاتك وذراتك لكل البيئة المحيطة بك مجاناً، فهل انتبهت الآن أنك لا تمتلك شيئاً ؟!
يجبُ عليك المرور بالأفراحِ والأحزان وأن نفترق، فقد نلتقى وقد لا يرى بعضنا بعضاً.
  لنريح أنفسنا مِن حُبِ التملك ونتيقن بأننا لا نمتلك أزواجنا أو أبناءنا أو أعمالنا أو بيوتنا، فكل ما نملك يمكن أن يَضيع في لمحِ البصر.
إنني انتبهت الآن أنني لا أملكُ شيئاً ولا حتى نفسي يُؤسفني قول هذا عني أنا ، فماذا عنكم  ؟!
مع محبتي   
سمراء النيل(سلمى النور)

هناك تعليقان (2):

  1. إذا استمرينا بقول ذلك إننا لا نملك شيئا من حولنا فإننا ندخل أنفسنا في غياهب اليأس المجهول ، نملك من أمرنا تصرفا ولو كان يسيرا إلا انه مؤثر جدا علينا ، نستمر بالتقدم في الحياة بلغة العطاء اللامحدود لنجد الرضا والقبول والطريق إلى السعادة بأبسط معانيها ... الاشياء لا تترك اثرا لا نريده بل نسمح لها بترك ذلك الأثر رغم تأثيره الماض فينا !

    ردحذف
  2. وجهه نظر جميلة جداً ولكن إذا أردنا الحرية المطلقة لأنفسنا علينا ترك كل الأشياء ترحل بسلام حين يحين وقت رحيلها، شكرا لمرورك العطر.
    تحياتي لك: سمراء النيل( د.سلمى النور)

    ردحذف