الثلاثاء، 27 فبراير 2018

أنا أستطيع



أنا أستطيع


تستطيع عزيزي القارئ قولها بكُل سهولة ويستطيع الطفل بعد الخامسة قولها أيضاً لكن شتّان ما بين فَهمكما أنت والطفل.
حين تقولها أنت فأنت تعلم أنك ستتحمل مسؤولية فعلك، وتقُوم به وأنت مُدرك.
المضحك أنّ الطفل يقولها ليلعب أيّ دور بطولي أمام والديه حتى وإنّ كان فوق طاقته.
حين يُخرج ألعابه كلها ويُخبرك أنه سيُعيد ترتيبها بعد انتهاءه، وتعود لتجده نائماً بين ألعابه ولم يدخر جهداً في جعلِ غرفته رأساً على عقِب، مثل هذا الموقف وغيره الكثير قد يُثير غضب الأم والأب، فحِين وعَدك صغيرك بعملِ شيءٍ ولم يفعله لأنه ببساطة لا يستطيع، وهو يحاول التقليد ما استطاع، لكن واقعه يُثبت أنه مازال كائناً ليناً جاهلاً، فتَفوهه بكل الكلام والأحلام المعقولِ منها واللامعقول ليس سوى بقايا براءةٍ منه ودليلُ عدم نضج كافي، وأنت حين كُنت مكانه أقصد حين كُنت طفلاً لا تستطيع لكنك رغم ذلك وعدتَ بالكثير، لم يزد أهلك على أن سايروك إلى أن أدركت أن الكلمة محسوبة وتعلمتَ ألا تَعِد إلا إذا كان الوفاء ممكناً.
وياليت الجميع لا ينطقون إلا بما يستطيعون فعله لعمت السلامة والراحة الجميع.
تكمنُ المشكلة أن كثيراً منّا كبروا عمراً يُحسب على الورق فقط وعقولهم ماتزال طفلا يحبو.
مِثل هؤلاء في مجتمعاتنا سبب في الكثيرِ من المشكلات.
الحب كلمة، والوعد كلمة ولكن ما يترتب عليها يمثل حياة بحد ذاتها.
 مشكلتنا أن أغلبنا كائنات ثرثارة قلما تُعِـّد للكلمة المحترمة مكاناً، فاندفاع سيل الكلمات أصبح معتاداً ومتوقعاً من الجميع، فالجميعُ يفهم ويشرح ويفتئ ويَضيع مجتمعنا بين النظريات المتعارضة، بل الأدهى أننا نعتبر من يثرثر مثقفاً بل يوصف أحيانا بالخطيب المفوهه، وتتسارع القنوات التلفازية باستضافته ويزداد متابعيه.
تكثر هذه الميزة بين النساء فلا يوجد مجلس للنساء يمكن أن يسوده الصمت مؤقتا لثواني معدودة .
النساء عالم ضخم ملئ بالأحاسيس والتجربة وتكمن المصيبة في أنهن يتبادلن كل خبراتهن الحياتية وأحاسيسهن اليومية من بابِ التضامن مع بعضهن ومؤازرة أخواتهن.
وإذا كان الكلام مجاناً فالوقت يصنع المال ،وقديماً قالوا (إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب)، ربما نحن لسنا من محبي الذهب أو الفضة أو أي معدن نفيس آخر، لجهلنا وعدم إدراك أننا كائنات قصيرة العمر مقارنة بغيرنا من المخلوقات المعمرة، فأنت لا تُقارن بالسلحفاة أو الأشجار المعمرة ومع ذلك تتحدث أضعافها، فلو كان لك عقل حكيم مثلها لأدركت أن هذه المخلوقات وغيرها ما عمّرت في الأرض إلا لصمتها وحفظ لسانها.
لا يحق لكائن أن يتكلم ويسرح بنا ويأخذنا في عالمه حتى وإن بدا لنا خيالياً سوى الأطفال لأنهم صادقون من منظورهم، بإنه قد يصير ممكناً ويستطيع السفر عبر أشعة الشمس كما يقول، فاستمع لطفلك بكل جدية واهتمام ودعه يكمل لك سفره عبر الشمس أو القمر أو حسب ما يتراءى لصغيرك، فكلامه لا منطقي بالنسبة لنا ولكن لنترك له حرية الابداع والابتكار كما يشاء، لأنه الآن يستطيع أن يحلم فدعه يحلم ولا توقظه لعالمنا ، ولا تستعجل إدخاله إلينا لأنك لا تخدمه بذلك بل تُعجل له الصدمة وذلك ليس في صالحه.
أما أن تأتي إليّ وتحكي لي قصة خيالية شبيه بقصة طفلك وغرضك ليس بريئاً كطفلك، وتنبي لي قصراً من وهم وأنت في أتم قواك العقليه لتحتال على حياتي أو مشاعري فذلك مرفوض مرفوض .
نحن سمينا أنفسنا بالعقلاء حتى نزن كلامنا كلمة كلمة وإلا فلا تتحدث .
أرجوك ثم أرجوك لا تعدني بشئ ولا تقل لي ( أنا أستطيع) حتى تستطيع ذلك حقاً وصدقاً...
ولك جزيل الشكر
سمراء النيل(سلمى النور)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق