الاثنين، 26 فبراير 2018

لا أدري أين فقدته



لا أدري أين فقدته

جميعنا في وقتٍ ما نفقد أشياءً أو أشخاصاً و الأسوأ  مِن ذلك أن نفقد أنفسنا .
 هي لحظة ما أنت لا تُدرك عواقبها ولا إلى أي منحنى سيأخذك هذا الموقف، أو تلك الكلمة التي نطقتها مازحاً أو قاصداً، أنت لم تعيرها بالاً ، لكنها عادت إليك بألمٍ عظيم، ألم الفقد وخسارةِ شخص ما، غادرك وتركك حائراً في كيفية سدِ فراغه.
( بالرغم مِنا قد نضيع ) هي عنوان قصيدة للشاعرِ فاروق جويدة وعنوانها الرائع كفيل بأن يُفهمك بأن النية الجيدة لا تكفي لحمايتك في طريقك، لأنك حين تضيع قد لا تدرك أنك أخطأت الطريق إلا بعد تَوغُلك فيه أكثر وخُسرانك أكثر.
وقد تكون محظوظاً بشخصِ ما ينير لك دربك ويعيدك لجادةِ الصواب.
هل تمتلك الشجاعة الكافية لمواجهة نفسك قبل غيرك وتقول : لقد كُنت شخصاً جيداً وصديقاً رائعاً وزوجاً محبوباً لكني خسرت مَن حولي لأني تَغيرتُ.
مَن مِنا يمتلكُ الجرأة ليعترف بأنه كان سبباً في إبعاد مَن حوله لخطأ بَدر منه؟
مُعظمنا إن لم نكن جَميعُنا  نلقى باللومِ على الزمن والإنسان والشجر وحتى الحجر أحياناً !
ونعزي أنفسنا بالقول : هم تغيروا، وننشد الأشعار الثكلى.
لنعُد لأرض الواقع هل أنت الآن كما كُنت قبل خمس أو عشر سنوات؟ هل مازلت نفس الصديق والزوج الحنون أم أن الدنيا شغلتك وغيّرتك؟
لا أسألك عن مَظهرك الخارجي إنما سؤالي لك عن نبض روحك الداخلي، هل ظَلّ كما هو أم أنْ التلوثَ الخارجي سطا عليه وأثّـر فيه؟
مِثل هذه المصارحة لا يستطيع أحد أن يُجيب عنك، فأنت فقط في جلسةِ مصارحة تستطيع إستعادة الماضي ومُقارنة مَواقفك وتصُرفاتك إن سُنحت لك الفرصة مجدداً، كيف ستتصرف؟
هل ستحسن التصرف أم ستعيد تصرفك المتهور الطائش؟
هل مازلت تحتفظ ببعض الطفل في روحك؟ أم أنك قد نَضجت أكثر مِن اللازم ومات الطفل في داخلك واختفى؟
أم أن هناك طفل يظل مختبئاً بين حنايا رُوحك ويُطل علينا أحياناً بخجل؟
هنالك العديد من الأسئلة وللأسف لا نملك جواباً واحداً صحيحاً أو حقيقياً لنهدأ هذي النفس .
سيظلُ الأمل بشفاء أرواحنا ونقائها حُلماً يداعبنا. هو حلم الكمال، كمال الزوج والأبناء والعمل والأصدقاء ونعود آخر النهار لفاروق جويدة (بالرغم منا قد نضيع) .
قد يكون ضياعنا لازماً في رحلةِ بحثنا واستكشافنا للمجهول.
قالت لي امرأة هندية ذات يوم : الكل يتمنى أن يحظى بطفل، وقد يحظون بطفل بالفعل، وما أجمله في طفولته وحين يكبر و طأطأت رأسها بأسئ وأكملت : وحين يكبر يصير مثلنا.
صدمتني فرددتُ عليها: مثلنا ... ماذا تعنين؟!! نحن لسنا سيئين.
ابتسمت وقالت بهدوء: نعم..نعم فقط سيصيرون مثلنا ويفقدون طفولتهم ويغدون نسخاً مشوهة مثلنا.
تركتني مذهولة بما قالت وافترقَ طريقنا وتبعتها ببصري إلى أنْ اختفت عن أنظاري.
مُعظمنا طيبين ولم نَرأس عِصابات، ولم نَسرق أو نحتال على أحد، لكننا ببساطة فقدنا أنفسنا وأكملنا الطريق وكأن ما فقدناه ليس بالقيم، مازالت عبارتها تُطل كل حين وتجعلني أتساءل : هَل كانت على حق؟ هل سنغدو نسخاً مشوهة وأرواحاً ثكلى أم أننا كذلك بالفعلِ ونرفض الإعتراف بعناد؟
هل إذا فحصنا كل واحدٍ منا سنرى بِه أثر لا يمحى مِن ألم أو فَقدِ أو جُرح أو عَاهةٍ روحية؟
مثل هذه التساؤلات هي وقفةٌ صغيرة لنتحدثَ مع أنفسنا في لحظةِ صَفاء.
هل لَدى أحدِكم إجابة جادة وسليمة نستطيع أن نشفى بها أرواحنا قبل أجسادنا؟
ودمتم بخير
سمراء النيل(سلمى النور)

هناك تعليقان (2):

  1. هذه التعابير الانيقة تجسد حالنا و تعبر عنه بكل صدق و شفافية..
    كتابة رصينة و انيقة و جاذبة و معبرة و فوق كا ذلك حقيقية. انتي مشروع كاتبة قادم. للامام دوما.

    سائق تاكسي..

    ردحذف
    الردود
    1. انماهي محاولة لإدراك سبب تغيرنا تجاه أنفسنا قبل الآخرين، لا شيء سيبقى كما هو، أسعدني مرورك وشرفني ردك الكريم ودمت بخير وسعادة.

      حذف