الأحد، 30 ديسمبر 2018

وقع في النفس

وقع في النفس


    لكل سؤال وقع في النفس و ما أكثر ما يقع في نفوسنا من  أسئلة وتعليقات، و محادثة مطولة بين جوانحنا.
 قد يسألك أحدهم: كيف حالك؟؟ 
 كسؤال عابر من ناحيته ، كان سؤالاً بديهياً عند رؤيتك عابرا في نفس صاحبه وربما قصد ألّا يمُّر صامتاً من أمامك.
لكنت تلقيته بكل فرح وكأنك كنت تنتظر سؤال أي كائن لتفتح مكنون داخلك، و تحكي بعد الاجابة النموذجية المعتادة: الحمد لله... تبدأ الشكوى والعتاب، و التذمر لحروب العالم أو أحوال الطقس... لا تهتم إلا بإخراج ما تحتويه جعبتك من أخبار التلفاز أو أحداث مُسلسلِك المفضل، متجاهلاً عما إذا كان المستمع راضياً أم ساخطاً أم  نادماً على سؤاله لك، فإنك تُكمل باستطراد باذخ حيَّرت به صاحب السؤال أصلاً.
وبعد وقفة دامت ما يقرب من الساعة تنتبه إنك أشرفت على إفراغ محتوياتك فارغة القيمة أصلاً، و تتنهد ثم تعتذر منه على الوقفة والتأخير،  ثمَّ تنصرف سعيداً تاركاً صاحب السؤال في حيرة من إجابتك المسهبة المطولة المضيعة للوقت، نادماً على لباقة حديثه و سؤاله لك…
 ثُمَّ تُدعي أنت يا صديقي الثرثار لمجلس ما و بعد أن تتخذ موقعك و تنظر في وجوه الحاضرين..
لا تتحدث….  أرجوك... اصمت ودع لي فرصة لأقول لك أن تترك مجالاً لي مع حديثك المنساب...
 حين تنضم لمجلس، حاول أن تستمع بإنصات فكل من حضر له قصة يرويها أو طرفة يحكها، ليس بالضرورة أن تكون المتحدث الأوحد، دع لي دوراً في الكلام و الاحترام….
 هذه آفة مجالسنا حيث يدور الحوار بين أفراد معنيين ويظل الباقون محضّ ظلال في هامش الصورة،  ظلالاً تعكس مدى تحكم المتحدثون في المجلس.

 الأغلبية المستمعة تجدها تومئ برأسها بالموافقة أو تهزّ  رأسها دلالة على الرفض..
 كُلي ثقة في أنه لو أتيحت الفرصة لأحد الهوامش في الكلام لسعِد و حكي للآخرين ما يُبهرهم، وربما ساق دفة الحوار ..لاتجاه جديد كليّاً على  جلساء ذاك المجلس.
ليس بالعيب الكبير ولا الخطب الجليل أن تصمت في جلسة ما....
 حين سألتك عن حالك: لا داعي لأن تُداري خبايا نفسك بتحريك لسانك على عجل، فلا أحد هنا يحاول كشف أسرارك أو يتربص بك لفضحك أمام الناس… 
أترك أوهامك فما أنت سوى واحد من مليار البشر أمثالك يحيون كما تحيى، فلست بأهمَّ كما تزعم وتوهم الحاضرين، توقف عن الثرثرة  ومحاولة إذهال وامتاع الكل …
فقط حاول الهدوء وركّز على نفسك،  فإن تعلمت الصمت أكثر فهمت نفسك و سبرت أغوار روحك، أهدأ وركّز وأبدأ تنفساً بطيئا... واستعد زمام التحكم بداخلك شيئا فشيئا إلي أن تُحكم زمام السيطرة على نفسك...
وقتها حين يسألك أحدهم بكل اهتمام عن حالك ستجيب بهدوء الواثق المدرك لحقيقته: الحمد لله وتمضي مبتسما سعيدا و بداخلك ما تزال تردد: الحمد لله بحق... الحمد لله…

مع تحياتي
سمراء النيل (د. سلمى النور)

الأربعاء، 28 نوفمبر 2018

احتمال


احتمال

ما هي احتمالات أن تولد من  جديد.... إنها صفر بلا شك .
سأعيد لك السؤال بطريقة أخرى .. ما هو احتمال أن يدخل نفس الحيوان المنوي لنفس البويضة لإعادة إنتاجك مرة أخرى... بالتأكيد إنها صفر محقق الآن.
لأن في إعادة تلك المحاولة قد جاء أخوك أو أختك وكهذا جاء الباقون...
يا إلهي...
هل كان ذلك صدفة؟ لا وألف لا فأنت جئت إلى هنا عمداً و بشكل مقّدر، وكل هذه الظروف  تشكلت وتكاملت فقط لتُنتجك أنت وتظهرك للوجود.
 يوم إلتقى والديك وجمعهما الحب وتزوجا ليرزقان بك، كل هذه الظروف الأخرى التى حولك  وخبرة الطفولة وموافقك الفاصلة في حياتك كلها كانت لتصونك وتدفعك نحو قدرك المنتظر ....
لا تسألني ما هو قدري؟ كل ما أستطيع قوله لك أنت هنا لتقوم بمهمة لا يصنعها ولا يقدر عليها سواك أنت ، فأنت المنتظر.
كل ما عشته وحصيلتك إنما هي تجيز لك لمهمتك القادمة تماما كما يعبأ الصاروخ ويتم تهيئته للانطلاق..
"واصطنعتك لنفسي" قالها الله لنبيه موسى -عليه السلام-  وكل أحداث حياته وخوفه وهروبه إلى حين عودته واستلام النبوءة حينها أيقن أن الله اصطنعه وأنه هو المختار لإنقاذ بنى إسرائيل.
إذا أخذنا هذه العبارة واصطنعتك لنفسي وحاولت تطبيقها عليك، انظر حولك... انظر لظروفك المحيطة واصطنعتك لنفسي إنها نفس الرسالة التي تتكرر في حياة كل مـنّا لمن يفهم.
من يستطيع أن يفهم رسالته وأهمية وجوده فقد علِم قدر الله له وأدرك ســرّ اصطناعه...
فما هي رسالتك ؟ وما هي صناعتك ؟
انتبه لها في كل مرحلة في حياتك قبل فوات الأوان.
دمت بخير ..... مع تحياتي
سمراء النيل ( د.سلمى النور )

الثلاثاء، 27 نوفمبر 2018

إعدام ورقة


إعدام ورقة

يا أعزائي…. هذه الخاطرة ليست لأي منكم...
وجدتها في بعض أوراقي القديمة وما هان عليّ رميّها، أو تجاهل  رؤيتها، أو انكار كتابتي لها، هذه إحدى الخواطر التي كتبتها إبان فراقي الأول لأسرتي.
 كثيرة هي الأوراق…. ومازالت تلك الورقة المفخخة بالمشاعر والذكريات تختبئ بين ذكريات قديمة مُغبرّة، لتنفجر فجأة و بقوة مذهلة، لكني تجاوزتها كما تجاوزت العديد من العقبات القديمة وأضحت الآن لا تعني لي الكثير..
 حين رأت تلك الورقة أن سحابة انفجارها تلاشت في الهواء بلا أدني أثر وأدركت مصيرها المنتظر ترجتني بعطف ألا أرميها هكذا.
 قلت لها: لكن دورك قد حان الآن، لتغيبِ و تتوه في غياهب النسيان للأبد.
 قالت الورقة: إذا كان ولابد من فنائي فأخبري عني وبعدها تخلصي مني.
 قلت لها ببرود: لك  ذلك أيتها الورقة…. تعالي
و هذا هو النص الأصلي الذي تم كتابته في عام 2003
" حين رأيتها….  هاجت كل عواطفي واندفعت نحوها…. و  ظلت  تطاردها في محاولة يائسة للحاق بها..
 رغم أن كل الطرق المنطقية تفرض و تؤكد استحالة اللحاق بها ولكن المشاعر أبت رغم ذلك إلا أن تقفز من دواخلي وتحاول اللحاق بها في الجو ولكن عبثاً.
 حاولت كذلك عصافير قلبي وطيور محبتي واشتياقي لأخوتي أن تلحق بها، ولكن لأن تلك الأخرى لها قلب حديد وتكوينها المعدني القاسي لم ترضَ حتى أن تعيره مجرد نظرة خاطفة على كل من حاول اللحاق بها، و تبتسم بداخلها بقلبها المعدني القاسي و تؤكد انتصارها لذاتها.
 عصافيري لم تيأس ولكن حين رأت عجزها عزَّ عليها أن تعود إليّ خالية اليدين .
فخاطبت ذيلها الذي هزَّ نفسه متعجرفاً كصاحبته و لكنه رقَّ لحال عصافيري فسألها:  ما الذي تريدينه مني؟  لا يمكنك إطلاقا اللحاق بنا...نحن ملكنا الجو ونحكمه منذ أمد بعيد.
 ردَّ عصفوري الجميل: لا أريد اللحاق بك لأسبقك ولا حتى أفكر في هزيمتك... أعلم أن هذا لا يمكن بالتفكير المنطقي ولكن صاحبتي أرسلتني لأطلب منكم حمل وصية مهمة.
 ابتسم الذيل و قال:  ألهذا لحقت بنا و أتعبتِ نفسك؟
 رد عصفوري وأنفاسه تتلاحق:  نعم .. نعم إنها مهمة عاجلة صمت الذيل فترة قبل أن يرد: حسنا قل وصيتك وأنا سأرى إن كانت تستحق أن نوصلها أم لا….
قال عصفوري في براءة:  اقرأ أهلي مني السلام و قل لهم .. إني على العهد مازال.. ولكن طال الفراق و كثرت الآه..            وأنا بشوق ولهفه أحثَّ الأيام والليالي كيف تغادر...
أريد رؤياكم و سماع أخباركم و البقاء معكم…                     و لكن لا بأس كل شيء إلى أجل وإني أدعو الله واصطبر لي ولكم….
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه….
فلنبقى على العهد وإن نأت الديار
ولنسير على الدرب وإن تباعدت الاقدار
ولندع الله أن يكون في جنته اللقاء.
ضحك الذيل ضحكة عالية مستهترة: أهذا كل ما عندك يا صغيري؟ احمل وصيةً أهم من ذلك….  هيا عـُد... عُـد من حيث أتيت فلا وقت عندنا.
 توقف عصفوري قليلا وقد بان الغضب عليه و هو يستمع لكلمات الذيل المتعجرف صاحبته وهو يكمل مبتعداً: عصافير هذا الزمن غبية حقا ..أهذه وصية تحمل و يُتعب من أجلها بل و أكثر من ذلك يريدنا أن نوصلها له، لا يدرك هذا الأحمق الصغير أننا نحمل أهم الأشياء( رجال الأعمال- المال - المجوهرات- البضائع) كل ما يمكن أن نستفيد منه…  ما الذي سنجنيه من حمل وصية كهذا.
سمع عصفوري حديث الذيل لصاحبته فاستشاط غضباً وعاد إلي يحدثني. حاولت تهدئته لكنه اعترض قائلاً: ألم يتبقى لغة في هذا العالم إلا لغة المادة، أين اختفى الحب و التعاطف و الإخاء؟ هل اندثرت كل المعاني الجميلة؟
 قلت له:  عصفوري البريء لا عليك لقد بذلت ما في وسعك فلا تحزن ، أما بالنسبة لرسالتي فإني أحسّها وصلت لأهلي فهم في كل وقت يشعرون بي أنا متأكدة من ذلك فلا تحزن يا صغيري. صمت عصفوري ثم قال فجأة: أتسمحين لي بالسفر لإيصال الرسالة؟
قلت له: صغيري أنت لا تقدر بالكادِ حاولت بلوغ الطائرة ورفضت هي رسالتك …. فلا تذهب.
 قال عصفوري بكل حماس وانفعال:  بل سأذهب، وسأسبق تلك المتعجرفة المُفاخرة بقوتها الحديدية،  فأنا لدي ما لا تملك أنا لدي ايماني وثقتي الكبيرة بالله و حب أهلي و سمو هدفي كلهم سيوصلونني.
 قلت له: أخشى عليك من التعب، الطائرة قد أقلعت قبلك يا حبي الصغير.
 أجابني بحماس:  ثقي بربك.. وأدعي لي.
 و طار بسرعة من أمامي ظللت أرقبه حتى اختفى عن ناظري.
طار عصفوري البريء محلقاً عبر الوديان و البحار و الجبال و ها هو الآن يحلق فوق دولة الإمارات تتجاوز أبوظبي و يستقر في بيت طفولتي...
 طرق النافذة و ما أن رأته أختي حتى أخبرت والدي ففتحوا له الباب…  و دخل دخول الفاتحين استقبلوه بالأحضان والقبلات الحاره، بقي عندهم بضع ساعات حمّلهم أشواقي وحمّل منهم السلام و أحرر الدعوات الصادقة و القبلات و انطلق عائداً إليّ.
فوجئ في مطار أبوظبي بتلك الطائرة تستعد للهبوط، نظر إليها وابتسم ابتسامة المنتصر... خاطبه الذيل: أنت أيها الصغير ما الذي أحضرك.. وكيف سبقتنا إلى هنا؟
 سأله عصفوري:  بل أنتم ما الذي أخرّكم.
أحنى الذيل رأسه قائلاً:  حصل عطل الصغير فاضطررنا للهبوط و لكن أخبرني بالله عليك كيف وصلت؟
 ابتسم صغيري قائلاً:  أنت تؤمن بالمنطق و المادة وغيرها،  أما أنا فأؤمن بالله واللامعقول واللامنطق،  مؤمن الحب و الإخاء و غيرها كثير مما لا يمكنك أن تفهمه أيها الحديد…. لن أضيع وقتي معك، اهبط هبوطك... تصحبك السلامة،  فأنا لديه وصية سأعيدها إلى صاحبتي. مع السلامة.. الى اللقاء….
عاد إليّ عصفوري سعيداً  مع غروب شمس ذلك اليوم ضممته إليّ وقبلته في سعادة، فقد أكّد لي إنه لا مستحيل تحت الشمس."  "هذا هو النص الأصلي موقع بتاريخ 2003"

بعد أن وفيت بوعدي لها حملتها لسلة المهملات ورميتها و نظرت إليها بوداع فإذا بها تضحك و تقول لي: لقد نلت منك لقد فزت و أخيرا سأظل الآن  في صفحات ذاكرة سمراء النيل بعد أن كنت حبيسة مع بعض أوراق مهملة…. لقد كسبت الخلود
 لم تروق لي  كلمتها لكن أحب أن أوفي بوعدي : فليكن لك ذلك أيتها الورقة طالما صمدت كل هذا الوقت بين أوراقي المهترئة فقد تستحقين بعد التخليد .
 مع تحيات سمراء النيل (د.سلمى النور)

الثلاثاء، 6 نوفمبر 2018

الدور....

الدور

إنه دورك ... انتبه
 حين يعلو صوتك بالصراخ فور خروجك للحياة، يستقبلك الجميع …... أهــلاً بك
حين تنتقل من دور الرضيع لدور الطفل يظل الجميع... يبتسم لك
 حين تصل لتأدية دور المراهق الباحث عن حقيقته وأهمية وجوده، فالجميع... يتفهم موقفك
 حين تصل لدور الخريج الذي أكمل دراسته الجامعية بكد وجد و استطاع النجاح، فالجميع…. يصفق لك
 حين تصل لدور الموظف و تعمل بإخلاص  لإكمال المهام الموكلة لك…... فالجميع سيثني عليك
 حين تدخل مدرسة الحب و تتدرج فيها وتقرر أن تتحمل مسؤولية حبك وتعلن زواجك….. فالجميع سيفرح معك
حين تكتشف أن مرحلة الزواج غدرت بك، وقادتك بسرعة لتصبح والداً……  فالجميع سيقدم لك التهاني
 حين تستمر في انجاب الأطفال بشكل مخطط أو غير مخطط و تتورط في الأمر أكثر…. فالجميع سيساعدك و البعض قد  يتعاطف معك
حين تتعدد الأدوار وتستمر أنت في دور الموظف، و الزوج، و الوالد، وقد تكون مازلت ابناً لأحدهم، وتعيش كل هذه الأدوار متراكمة عليك ومجتمعة فيك كلها في آن واحد، فالجميع..... سيقدر ذلك
 حين تخونك قواك و تضعف هيبتك في بيتك أو مكان عملك، حين يظهر الشيب واضحاً وتشاركك التجاعيد قسمات وجهك، حين يغدو أبنائك بطولك، أو أطول منك.
 حين لا يكون هنالك مجال للتراجع و تدرك إنك تمضي في طريق ذو اتجاه واحد، مر فيه الآلاف البشر قبلك، ولم تزد سوى إهدائك لنا بعض جيناتك، و لم تخلد اسمك للذكرى في يوم ما....  
حين لعبت جميع أدوارك و حاولت إتقان كل مرحلة خضتها، هل فعلت ذاك للجميع، في انتظار تفاعلهم معك، أم أن كل ذلك … كان تقرباً لشيء لا يُرى و هو يَرى كل شيء.
 هل فعلت ذلك طلبا للقربى منه رب الأكوان عالم الأسرار…..
إذا كنت كذلك فهنيئا لك النجاح في الاختبار
 وإن كنت غير ذلك فأعد تجديد نيتك وأصلح عهدك و مواثيقك.
 سؤال:-
 في أي دور أنت الآن؟
و ما الذي ترغب فيه حقاً؟
 وهل تؤديه كما يجب؟
هل تؤدي الأمانة إلى أهلها، أم أن الأمانة اقتصرت فقط في الحسابات المالية؟
 لأنه حين يحين دور الوفاة فثق أن الجميع ... سيحزنون عليك حقا
 ثم يمحونك ...
و ينسونك كأنك لم تكن ….
مع تحياتي سمراء النيل (د.سلمى النور)

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018

هل أنت انسان؟


 هل أنت انسان؟

أن تظل انساناً هو أكبر تحدي يواجه كل فرد، أن تحتفظ في داخلك بذلك الطفل البريء المندهش، وأن تواجه العالم بأسره وأنت  تحمل كمية مهولة من المشاعر و الأحاسيس تتفاعل بها مع الأشياء من حولك، أن تنبهر وأنت تطلق صرخة الطفل لدي اندهاشك أو فرحتك.
 أن تتلألأ عينيك ليلاً كما الرضيع و أنت ترقد بسلام و تطير للسماء في أحلامك كل ليلة بلا أرق أو سهر.
و تستيقظ كل صباح وكلك أمل وتفاؤل ونشاط، أن تعدو فرحاً لعملك كما يعدو الطفل نحو مدرسته فرحا.
 في مرحلة ما كان لدينا كل هذا وأكثر وصرنا نفقده  شيئا فشيئا مع تداخل عناصر جديدة في حياتنا
فقط ما زلت انسان برغم ضخامة جسدي و كثرة مسؤولياتي وتعددها، أنا مازلت انسان صغيرا.....  هناك الكثير مما يختبئ بداخلي، ما زلت أخاف .... ما زلت أبكي وحدي.... و أضحك معكم وابتسم.
أشارك في حواراتكم ولكني كالأطفال ما أن أطفأ  النور وأعود إلى نفسي ... إلى شخصي....  أحاول الأختباء أو الصمت والبكاء...
أذكر أنني في السابق كنت أخاف الظلام ولكن الآن ما بات يخيفني بل صار صديقي حيث ألجأ إليه عمدا وأطفأ الأنوار لاستحضاره لأنه صار شريكي ، بعد أن كبرت قليلا صادقت عدو طفولتي...  هذا الظلام الدامس لتظهر لي وحوش أخري تخيفني وتقض مضجعي .
مازلت أخاف من أشياء،  فقد تطور هذا الخوف وحاولت بوعي الآن أن أعقد صداقة مع مسببات خوفي لكني عجزت لأنه سرعان ما يظهر عجزي البشري فقط لأني مجرد أنسان ، لست بائسا أو مهملا أو وحيدا ً بل ربما سبب كِبر خوفي هو تعلقي بمن حولي .
خلف واجهتنا هناك انسان فقط أو طفلا صغيرا ما زال خائفا...
 ما زال يرتعش بداخله، خلف كل موقف عظيم لكن هذه الواجهة الضخمة العريضة الكبيرة ذات شخصية مبهرة و ذات مسئولية كبيرة كقائد أو مدير أو والد أو حتى عامل.
بعد ترك كل الشخصيات خلفك بعيدا هناك شيء ما يختبئ بالداخل... يكون هناك فقط وأصبح يتضاءل مع مرور الوقت لكل منا انسان صغير ويظل الترقب.
لقد اختلفت دائرة الخوف وتحول الخوف فيني إلى أشياء أخرى ولكنها تفضل بنفس حجمها وتتعدد محاورها، و لكن حين أعود الى ذلك الانسان بداخلي و أعترف بالخوف، فأنهض بلا كلل وأجري لرب الأكوان وأصلي ركعتين ،أشكو بها حزني وخوفي وقلقي وعجزي حتى عن حماية نفسي ، وجميع ما أخشاه.
أقرأ الآية: لا تخف إن الله معنا  قيلت لسيدنا محمد و هي صالحة لكل زمان ومكان، وذاك الخطاب والاطمئنان لكل فرد فينا ليدرك أن الله يقول له لا تخف لأنى معك....  فتنساب مشاعر الدفء و الراحة و الحنان و الأمان، ونستعد الآن ونعطي أكثر من أخذناه و نبذل الغالي والرخيص بيقين في الله...... لا تخف ان الله معنا.
صدقوني كل منا مازال يحتوي ذاك الانسان الفطري البدائي الطفل فهدؤه بأن خالق الكون حفُّي و رحيم به
مع تحيات سمراء النيل (د. سلمى النور )

السبت، 6 أكتوبر 2018

العون الإلهي

العون الإلهي


برغم أني قد عشت حياة طويلة، لم أتوقع حين تحين ساعتي أن أخاف لقائك يا إلهي ..... ذاك الخوف تشربته منذ صغري أنا وكل أولاد الحي، كان تخويفنا منك عمدا ليضمن أهلنا أن لا ننحرف وألا نقتل وألا نسرق وألا نزني... وظننت أني تغلبت علي خوفي  حين كبرت وصرت أسعى خلفك .... لكنه ما لبث أن ظهر بقوة الآن بعد أن وهن جسدي ...لم يكن ذنبي أن تكون علاقتي بك مترددة  فيها الوصال وفيها بعض الانكار  لقد عُلمت من صغري الخوف منك  أيها الاله العظيم...
قيل لي أن أقبل بصمت ورضى بكل تصرفات القدر معي، أن أتجاوب و أناور مع كل حجر يرميه القدر لي باسمك أيها الرب ... لكن نفسي كان تضج بالسخط والعضب المكبوت مع أني ظاهريا أكون راضي بقضائك وقدرك.
لم أكن أعلم أنك عظيم و رحيم لتحمي كائنك المسمى بالانسان ، ذاك المخلوق الضعيف، الفقير، الممتلئ عظم و لحم، أدركت متأخرا أن الإله يأبه كونك انسان ويربت عليك في أحلك أيامك، لكننا لا نرى ذلك بل نشعر به ساعته ثم ننكر وكأن اللطف الإلهي لم نمسه يوماً.
 ثم نمرض ونعود نطلب العون الإلهي مره أخرى، ثم  يموت شخص عزيز علينا فنمعن في طلب العون الإلهي مجددا لنسكت أرواحنا المتألمة ونرقدها.
ثم ينجح مشروع كان حلماً لنا ذات يوم ونشكر هذا الإله مجددا،
ثم تكبر عائلتنا ونرحب بالمزيد من الأطفال و نراها هبة من الكريم القدير.
ألم يكن العون الإلهي متوفراً في كل لحظات حياتنا أم أننا كنا بحاجة للألم لكي يتجلى لنا ونشعر به.
 إننا موقنون بوجود  الإله لكن أن نعي ونستشعر إنه يحيط بنا في كل الأوقات فذاك يحتاج لمراقبة تقلبات نفسك، و حقيقة نواياها...
هل حين ساعدت ذاك المسكين هل فعلت ذلك حقا لمساعدته؟ أو حين ضربت ذاك العامل ووبخته هل قصدت تعليمه وتصحيح خطأه أم أن حقيقة نفسك تقول عكس ذلك...
 أخيرا أدركت بعد كل هذا العمر أن الله لا يخاف النقاش فقد ناقش ملائكته الكرام وإبليس اللعين وإن إلهي لا يخشى التساؤلات لكنه يجيب على من يسأل بالصدق ويهديه الطريق.
و صدق النوايا لا يعرفها أحداً إلا الله،  إن كنت صادقا فلا تهتم لتبرر لأحد أو لتشرح و تضيع أنت في تفاصيل الأمور لتوضيحها لشخص مثلك مخلوق من طين...
 قم بما عليك فعله و ابتغى وجه الله فيه، و حاول مغالبة نفسك التي تميل للظهور و الرياء، قم به جيداً صحيحاً ما أمكنك ...لا ....لأن كاميرات مراقبة ملصوقة وموصولة بك، بل لأن هناك مراقبة مستمرة من خالقك الأعظم.
 أعدّ ما  استطعت ليوم اللقاء و استمتع بأيامك معنا وأهم عدتك هو صلاح نّيتك، واستحضار عزته وجلاله في كل أعمالك، حتى أبسطها كتقبيل ابنك أو زوجتك، أو في احضار كيس خبز للمنزل، أو حتى إخراج كيس القمامة...
 فقط حاول واجتهد، وإن صحت نيتك وعزمك فقط تقبل الله منك..
 و ما بعد الموت سوى الخلود...... فهنيئاً لك.
 دمتم بخير...
مع تحيات: سمراء النيل (د. سلمى النور )

الأربعاء، 3 أكتوبر 2018

مصير

مصير


و أنا ما مضيت في طريقي حتى دفعني الجميع دفعا....    أنه العمر يمضي فخُصمت منه اثنتي عشر عاما قضيتها في المدرسة بغير اختياري، وبعد ذلك بكامل رضاي اخترت جامعة مــا لأقضي بها سنين من حياتي ثم لأتشعب في مثل هذه الدراسات التي لا تنتهي....       ما هذا الكابوس الذي طال؟؟ أما آن لي أن أرتاح... الدوافع كثيرة والفضول أكبر من يتشبع بإجابات مبتذلة، إنني أبحث كثيرا وأعود في الغالب خالية الوفاض.

في رحلة التعلم الطويلة هناك الكثير من الصبر والصمت و الدموع و بالطبع لا أنكر لحظات السعادة التي نختسلها وضحك الزملاء والمقالب المعقولة واللامعقولة بيننا ....
ورأت السعادة بمحياك حين تعلقت عيناي بك فارتبطنا و أسرعنا نبني أسرتنا الجديدة قبل أن يتوقف قطار أحدنا أو كلينا.
كل هذا السباق لأننا لا ندري ما الذي ينتظرنا تحت الأرض، ذاك العالم المجهول لنا تماما....
هل  تنتظرنا عوالم اخرى نبدأ بها من نقطة الصفر أم سنتكشف وجود رصيد وصل إلى هناك قبلنا ذات يوم.
لِمَ تتشعب بنا الطرق ويتردد قلبنا بين طريق وآخر؟
أهو نقص في مخيلتنا أم خوفنا من الالتزام المستمر؟..
ما هو المقاس الصحيح للتقدم أو التراجع في الوقت المناسب، على ماذا أعتمد وأستند؟؟
هو القلب: اتبع قلبك.... "استفت قلبك ولو أفتاك الناس" قالها رسولنا الكريم قبل 1400 عام
لأن القلب في قراره يدرك الصحيح من الخطأ ..
صدقني لا أحد يقدم على جريمة قتل وهو يعلم إنها صحيحة لكن عقله يغلبه بالمبررات ويسوق له الأعذار ليبرر جريمة القتل... وكذلك السارق يخطط ويرتب إلى أن ينفذ خطته....
القلب كائن واعي جدا ، فلا شيء يحدث بين ليلة وضحاها بل في الغالب مع سبق الاصرار والترصد. أرح عقلك المسكين الذي لا يهدأ على مدار 24 ساعة وركز مع قلبك واسأله :
هل تريدني أن أمضي قدما في هذا المشروع؟
فكر معي في  الحالتين فإن هذا القلب يعمل و ينبض  من أجلك فساعده أنت في اختار أمر يسعدُ قلبك ، فإن أصبت في اختيارك فحظك جيد ، وإن أخطأت أنت وقلبك فلك شرف المحاولة والتجربة، شرف التعلم من الخطأ لا يحظى به الكثيرين ممن رغبوا عن المحاولة وزهدوا فيها ، إذن أنت بخطئك اليوم أفضلا حالا من كثيرين حولك ناهيك عن محاولة الاتصال والانسجام الرائعة بينك وبين قلبك..
دمت رائعا محاولا وباحثا حتى النهاية
تحياتي : سمراء النيل ( د. سلمى النور )