السبت، 4 مايو 2019

ضوء مزعج


ضوء مزعج

 حول الضوء المرور خلسة  لكن الممر بات ضيقاً الآن،  و صاحب الشقة الكسول يكره ضوء الصبح وقد أغلق الستائر والنوافذ لمنعي من الدخول، له عشرة أيام مختفي عن الأنظار.
 لكني لن أستسلم وأتركه يتهنى في نومه بعد انتصاب الشمس في كبد السماء،  لا بد لي من اقتحام غرفته مهما كان الثمن،  أشار لباقي الأشعة الشمسية أن  تتبعه،  ظلوا يحاولون ويحاولون وكل الطرق مسدودة ككل يوم.
إلى أن هتف مفتاح باب غرفته:  من هنا...  سأساعدكم.
 تنحى المفتاح قليلاً وعبرت الأشعة ثقب المفتاح لتجد صاحب الشقة قد فارق الحياة منذ زمن، وترك كل الحياة وصراعاتها حتى وإن كانت من أجل إيقاظه لغد أفضل.
دمتم بخير

سمراء النيل( د. سلمى النور)

قل الحمدلله وكفى

قل الحمد لله وكفى

 بالأمس كان يومه عادياً، حمل والده وآخر عنقوده من أبنائه الخمسة تلك الصغيرة المزعجة التى أصرت على الذهاب معهم، استأذن من الدوام ليأخذ والده لموعد المستشفى الروتيني، مرة كل شيء بسلام لكن نظره ظل يذهب ويجي مراقبا دقائق الساعة، كان مستعجل كعادته كل يوم، لا يستطيع أن يطمئن على شيء، في قلق مستمر...
 فاجأته زوجته باتصال يعقبه إرسال قائمة طويلة لشراء مستلزمات البيت،
 كانت تنتظر فرصة كهذه لتستغلها فهو المهوس دوماً بعمله، تريده اليوم أن يقوم بدورها في شراء المستلزمات وأية مشتريات، إنها التحضيرات لدخول شهر رمضان الفضيل.
 استلم الرسالة التي تدل على أن بيته لم يدخله أكل منذ عام على الأقل و إلا فلم كل هذه الطلبات؟!
 أيعقل أن ينحصر رمضان في موائده وأصنافها؟ أم في الاستعراض والتباهي ما بين الطبق وآنية تقديمه وتزيينه؟
 والأدهى أنه سيشتري كل هذه الأمور التافهة والمرهقة مالياً..
 أنهى مواعيد مستشفى والده على خير وذهب للسوق معه صغيرته التي كانت تقفز فرحا هنا وهناك،  كان غاضبا ساخطا لكنه ما أن توغل في السوق حتى شعر بالدهشة والاستياء معاً، لما كل هذه الزحمة وهل نحن مقبلون على مجاعة؟    
هل أعلنت حكومتنا الطوارئ و طلبت من أفراد المجتمع التهافت على المواد الغذائية وتخزينها تحسب لأمر قادم؟  لم كل هذا الفزع و التدافع؟
ترك التسوق وعاد يتأمل الناس من حوله، نظر لهاتفيه... إلى قائمة الطلبات هو إذا مثلهم، لا يختلف عنهم وليس أرقى منهم طبعا عكس ما كان يعتقد، فكل ما في الأمر هو أن زوجته من تقوم بالمدافعة و المنافسة للشراء بدلاً عنه، لكنه يظل شريك في مثل هذه الجريمة بأمواله.
 كان استياءه يزداد وهو يتابع الناس بعينه ويتأمل قائمة زوجته تارة أخرى، أين كان طوال هذا الوقت؟
 لم ينتبه مرةً ليتحدث إلى زوجته عن أسوء عاداتها  الشرائية، كان يريح رأسه بإعطائها المبلغ الذي تريده، و تعود إليه شاكية من غلاء الأسعار طالبة المزيد وكان يعطيها تجنبا لأي  سبب قد يعكر  صفوة حبيبته.
لقد جنيت على نفسي وعليها كثيرا حتى أبنائنا ما ذنبهم ليفهموا أن رمضان جُعِلَ للتفنن بألوان الطعام والتباهي بها.

لم يقوَ على الشراء أكثر وغادر على عجل بصحبه والده وصغيرته، في طريقه للبيت كان رأسه يعج بالأفكار السلبية إلى أن امتلأ  كثيرا بها و قبل أن يذكر ذلك لأبيه فإذا بحرارة أفكاره تتسرب وتفجّر إطار سيارته بغتة، مما جعله يفقد السيطرة وينحرف يميناً لتدور سيارته ثلاثة دورات كاملة وتستقر أخيراً في جوه من العاصفة الترابية حولها.
 سمع صوت والده يسعل بشدة وصغيرته التي كانت نائمة في الخلف تساءل ببراءة: بابا أريد أن أنام.
 لم تدري ما الذي أيقظها فزعة لتجد نفسها أسفل الكراسي، كان صاحبنا لشدة صدمته يحاول فتح حزام الأمام  من الجهة الخطأ، حاول مرارا لكنه لم يجد المكان الصحيح إلى أن نبهه والده: يا ابني أنه في الجهة الأخرى... لا تقلق كلنا بخير...
 خرجوا جميعا وأتت الشرطة ومازال صاحبنا مذهولا.. كانت ثواني بل ظنّها جزء من ثانية واحدة احتملت كل هذه الانقلابات،  صغيرته التي كان يحملها ويضمها بشدة بين الحين والآخر غير مصدق أنها خرجت سليمة بلا أي خدش يذكر، كانت تبتسم سعيدة وهي ترى أضواء سيارة الشرطة و تأكل حلواها المفضلة.
 صاحبنا كان مدهوشا مصدوما، نامت الصغيرة على كتفه و جال في خاطره كم أن لطف الله عظيم خرجوا سالمين من سيارة شبة محطمة، وما زالت السيارات الأخرى تقف لحادثهم وتسأل وتطمئن عليهم ( أهل الفزعة)
 كان والد هو المتحدث هو الصامد وهو من قام بكل الاجراءات، ووقف يتحدث مع الكل،  تحول فكره حينها لكل الأفكار الايجابية و الأحداث السعيدة التي مرت به ولم يعيرها أي اهتمام من قبل، وأدرك كم أن الله يحبه فوالده بجواره ويساعده في مثل هذه اللحظة، وحين ترقى في عمله، حين أنجبت زوجته بالسلامة وكان الطفل معافى، حين تعرف على أحمد مصادفة وصارا أكثر من أشقاء...
 في أمور كثيرة كانت  سهلة وسلسة وميسرة  كيف لم ينتبه إنها من إشارات حب الله، ولطفه عليه.
 أنه للأسف أعتبرها من المسلمات ونسى حمد الله على نعمه الكثيرة فكل يوم هي فرصة جديدة ولولا لطف الله لكان اليوم يوم عزائه أو في أبيه أو صغيرته.
 في وقفته المفاجئة هذه مع نفسه جعلته يدرك أن الحمد لله يقينا في كل حال
 دمتم بخير
 مع تحيات سمراء النيل (د. سلمى النور )

الأربعاء، 1 مايو 2019

لأنه أخي


لأنه أخي..

 الأخ أو الأخت هو ذاك الشقيق  الذي تشاركه الطفولة والصبا، قد يضايقك حتى في رحم والدتك في بعض الأحيان، وتعيش سنوات حياتك الأولى وأنت تحاول التخلص منه أو إعداد مكيدة محكمة ليعاقب بدلاً عنك.
 تمضي الطفولة ما بين كر وفر مع أخ واحد أو عدة أخوة، تحاول جاهداً الصمود فيها و الحصول على أكبر قدر من حب والديك، و محاولة لفت أنظار الكل و إثبات قيمة وجودك في بيت يعج بالأطفال كعادة بيوتنا.
وتمضي بك السنون قِدماً لتجلس ذات يوم على كرسي حزيناً منكسراً، دامع الفؤاد، يحيط بك آخرين يقدمون لك التعازي في الفقيد.
 ذاك الشقيق صار الأن فقيد..... يا وجعي... يافجيعتي... يا مصيبتي...
 هو أخي ذلك الذي أقبرته على الرغم مني كان قطعه مني، أخذ الكثير وأنا صغير وعندما غادرني لم يترك لي من نفسي جزءا...
كيف هان عليّ أن أواريه في التراب؟
 كيف استطعت دخول منزله ورؤيته هنا جالسا... هنا ضاحكا... هناك يداعب ابنه... تركني الآن عاريا قبل الأوان.
 كانت تكفيني ابتسامته واحساسي بالأمان لأنه أخي، فكثيراً ما كان يدعوني لمنزله فهو مضياف كعادته، على تلك الطاولة شرب الشاي معنا، لكن هذه الردهة الآن صامدة وصامتة بعد غيابه مثلي.
زوجته التي كنت أراها كأخت لي لم تعد كذلك، فقبل أربعة أشهر كانت محرمة عليّ، الآن تتغير الأوضاع أصبحت كغيرها من النساء متاحة لي، غير مسحت الأحزان التي اكتست بها روحها بعد غياب أخي.
 في بيئتي التي نشأت فيها ينبغي عليك ستر أخيك  حياًّ كان أم ميتاً لذا تقدمت الوفود تقترح عليّ الزواج منها لأعتني بالصغير اليتيم الآن، وأنا لست بالمزواج فكيف أرضى بأرملة أخي.
 قاومت ذاك العرف السخيف الذي يدمر أكثر مما يجب عليه أن يبني، واستطعت الصمود أمام ذلك التيار لأكثر من عام، والذي قيل أنه انطلق بدافع الحنين وتأكيد رابط الأخوة، ثم أنتهى عام الوفود بإعلان أنني لم أكن أعشق ذاك المرحوم ولم أقدره بعد وفاته، مع ذلك كنت سعيدا...
 أنا وزوجتي وكذلك زوجة أخي هي الأخرى ابتسمت سعيدة، راضية بقدرها، عاكفة على تربية ابنها الوحيد.
  ما  أن مضى العمر حتى أرى ذلك الطفل الحابي صار شاباً فتّياً، وهنا تمنيته لابنتي فهو من تربى على يدي، هو ابن الغالي بل أصبح بمرور الوقت الغالي نفسه.
"لا تخلط الأمور" قالتها لي زوجتي وجيراني وحتى أمه، لكني لن أقبل سوى بزواجه من ابنتي.
أيعقل أن أتركه يحضر فتاة غريبة عن قريتنا كوالده الذي تحدى الكل؟ كلا بل يحتم عليّ الواجب أن أبقيه ضمن عائلتنا، هو تربى على يدي فأنا أولى به، أريد حمايته وضمان مستقبله لا أكثر.
 كانت مثل هذه الافكار تعشعش في رأسي، إلى أن جاء ذات يوم وتحدث شاكراً تربيته ومحاولتي الدؤوبة لتعويضه والده، كان صادقاً و صارماً حين ترك لي الخيار حرّاً، إما بمساعدته في الزواج بمن ارتضاها قلبه، أو أنه سيغادرنا وحيداً لبدأ حياته الجديدة.
 وها أنا الآن أزفه أمام الملا وفي قلبي غصة... أنه ابن أخي وهو سعيد لأني عمه الذي يشاركه عرسه، لكنه أحرجني حين عرضت عليه ابنتي، والغريب أن ابنتي كانت أكثر الناس فرحاً و رقصاً في حفلة زواجه.
 حين عدت للبيت وواجهت صورة أخي أخبرته أنني لم أقدر على تزوجهما، لم أقدر أن أتحفظ بابنك قربي.
 ابتسم لي في تلك الصورة  قائلاً لي:  ستظل أخي حتى الممات لا لشيء فعلته، بل لأنك من شاركني نفس الأم و الأب والذكريات، فشكراً لك.
 تنهدت براحة لأنني فعلت الصواب رغم عدم اقتناعي به، لكن الصغيرين الشابين كانا في قمة السعادة.
 ملاحظة: أرجو أن نظل أخوة وأشقاء وأن نبعد أطفالنا عن نظرية تقريب العائلة بالزواج بالإكراه، فهم لسنا نحن و حياتهم ملك لهم، سواء شأنا أم أبينا... فلننصاع لأحلام أطفالنا بدل أن نخسر عائلتنا الكبيرة لسوء الفهم الذي سيأتي مستقبلاً لا محالة....
واللبيب بالإشارة يفهم.. وشكرا لكم.
 دمتم بخير
 مع تحيات سمراء النيل (د. سلمى النور)

ثقب المفتاح


ثقب المفتاح

تعثر بها مرة عن طريق الخطأ، فوقعت كتبها وأوراقها على الأرض مبعثرة، انحنى ليساعدها كانت غاضبة ساخطة  حانقة وإذ هذا الموقف يزيد الموضوع سوءا.
لم تنظر في وجهه أبدا كانت تلتقط حاجاتها صامتة غاضبة وهو كان يعتذر بأدب جم، ويناولها  أوراقها النائمة على الأرض لتحملها منه بعنف وصمت.
أنهت جمع كل أوراقها المتساقطة،  وما أن رفعت رأسها ونظرت إليه، وهو ما يزال يعتذر حتى أصابت أسهم عيناه قلبها، وتحرك جليد كان متحجرا هناك منذ سنة على الأقل منذ ذكرى طلاقها.
صوت الاعتذار... ذاك الأدب الجم... تلك الإبتسامة الساحرة....
  كانت هي المفتاح الملائم ليدخل ثقب قلبها ويفتحه من جديد على الحياة
دمتم بخير
سمراء النيل (د. سلمى النور )

الثلاثاء، 23 أبريل 2019

احتفالية مطر


                     احتفالية المطر
  

سقط المطر والكل هلل وكبر وخرج الصغار للشارع يحبونه ويحاولون التقاط قطراته، بعضهم وضع أكوابا فارغة، وانطلق يرقص تحت المطر آملا أن يمتلأ كوبه من الماء المنزل المطهر.
والبعض سعى نحو مصلاه ليختلي بربه ويدعوه، فهو يؤمن أن المطر علامة خير، قدوم الملائكة لترفرف بأجنحتها فتنفض بقايا المطر ويتساقط غزيرا علينا.
 بعض الأمهات  أسرعن نحو مطابخهن ليعدن وجبة تليق باحتفالية قدوم المطر تحوي الكثير من الحب والسعادة والابتسام.
 استقبله الجميع ... الجار صافح جاره وتحدثنا مطولا تحت المطر بعد أن كانت اللقيا تقتصر علي التحيات العابرة وحسب.
 إن للمطر تأثيرا لا يمكن حصره علي الإنسان.... فكيف إذن بالنباتات والحيوانات أو حتي الحشرات ؟ حتى الأرض العطشى تلهج بالشكر لرب قادر عظيم في عليائه.
 حين يحتدم الصراع بين السحب تتأهب القطرات وتتحد في اللحظة الحاسمة يبدأ السباق وينهمر الخير، وترى القطرات تنافس بعضها فتضحي لكنها لا ترى مصيرها إلا بعد السقوط.
فبعضها يحالفه الحظ فيسقط علي الأوراق، وآخري تنزلق من ورقة إلي الساق، أو تسقط علي الزهرة أو الثمرة، أو حتى الأعشاب وبيوت الحشرات.
لا تشعر قطرة المطر بأي ألم أثناء السقوط إلا حين تلامسنا، إذا لامست رأسك المثقل بالهموم والأحزان تشعر بذلك فتتلاشى علي الفور مضحية بنفسها في سبيل محاولة بث احساس جميل جديد لك، ولكن رأسك ممتلئ  لحد التخمة فيصعب عليك الاحساس بها.
يتعذر عليك الشعور بتلك القطرة الجميلة، وما لم تنتبه له أنت: إنها قبل أن تختفي استطاعت ارسال نبضات لمثيلاتها ليهطلن عليك وتتلاشى القطرة فوق رأسك موجها غيرها ليأتين محلها، فتتساقط القطرات علي جبينك، على رمش عينيك، تنزلق على طرف حنكك، وبأطراف أصابعك، وأنت ترفع رأسك لتستقبل المزيد، تظنها صدفة تغير شعورك وانعدال مزاجك لكنه تأثير تضحيات تلك القطرات نجح في إراحة تفكيرك المتعب وإعادة البسمة لشفتيك مجدداً.

وأصبحت تنظر بسعادة للكون من حولك من جديد، بعد أن كان حالكا بالأمس، لاحظت الآن كيف يلعب الأطفال حولك سعداء بالمطر.
 قد كنت مثلهم ذات يوم لا عمل لك سوى اللعب، رفضت عالمك وتمنيت عالم الكبار وما أن بدات تخطو نحوه حتى أدركت إنه عالم متناقض متصارع متناحر، ضاق بك أكثر وأكثر وتألمت حين علمت أنك مجبر علي السير قدما...
 فلا يوجد لك أدنى فرصة و فرحة بالعودة للوراء والعيش كطفل مرة أخري ..... فحملت عقلك هموما كالجبال...  لكن ربك الذي خلقك أرحم بك وألطف فإرساله لك ماء السماء ليطهرك ويطمئنك أن كل الكون بيد الواحد الأحد .....
وكل يوم فرصة جديد وبداية سعيدة... فلا تقلق
مع تحياتي: سمراء النيل (د. سلمى النور)

السبت، 23 مارس 2019

غدر مصباح

غدر مصباح

أمسكني ضوء مصباح شارعنا فجأة بعد أن كان مظلماً لأيام ولم أُبلغ عنه لإصلاحه متعمداً،  إلا أنه أبى إلا أن يكشفني وقت  اللقاء الثاني بحبيبتي جوهرة بعد التاسعة مساء.
 كنت متأكد من مواعيد عودة والدها بعد ساعة لكنه عاد ذاك اليوم مبكراً، رأيت بقايا سيارته الزرقاء المتهالكة وصوت محركها يُسمع الحارة كلها، ارتجفتْ حين رأته ينزل ببطء من السيارة و معه شاب يسانده
 كانت خائفة عليه و منه في ذات الوقت، اختبأت خلف عمود الإضاءة و قالت بانفعال: أبي إنه هنا….. ماذا أفعل؟
 كان خوفي و اضطرابي عظيمين فمن في الحي لا يعرف والدها الحاج إسماعيل الذي يعمل مشرف عمال في شركة للبناء، و لصوته الجهوري دوي كمحرك سيارته القديم
قالت: يبدو أن شيئا ألمّ به.
 كان يخطو بمساعدة شاب آخر و يتجه نحو البيت، قلت لها:  سأشغلهم قليلاً أسرعي أنت قبل أن يراك. لامست يدي ظهر يديها الممسكة بالمصباح،  سرت قشعريرة في جسدها وبرقت عينيها أحسست أنها اللحظة المنتظرة و قبل أن أبوح لها أضاء المصباح المعطل فجأة فصرخت
ابتسم المصباح الحاقد فوق رأسينا واتجهت الأنظار نحونا تغير مسار والدها و مساعده.
 نظرت إليَّ بنظرة غريبة مليئة بالغضب و العتب و الاحراج وأشياء أخرى لم أفهمها وكأني أنا من أيقظ الضوء الأحمق
 مع دويّ صوت والدها: جوهرة.
 انتفضت وخرجت من خلف العمود اللئيم وتقدمت نحو والدها المتكئ على الشاب، صفعها بقوة وبدأت سيل الأسئلة و السباب،  أما أنا فقد تجمد  قدماي  ولم أقوَ حتى على الهروب، وبدأ والدها  يخطو  نحوي يهدد ويتوعد وسقط قبل وصوله بخطوتين فأمسكه الشاب و أعانته جوهرة، أما أنا فأطلقت ساقاي للريح حاولت النظر خلفي لكن المصباح عاد لنومته و أظلم مرة أخرى و أصوات استغاثة و جري تصل لمسامعي.
 أقسمت ألا أقف بعد اليوم تحت أي عمود إنارة طالما حييت لأن  تلك الصدفة أكدت لي استحالة حصولي على الجوهرة.

يظل الغدر هو الغدر حتى وإن أتى من مصباح فقد أفقدني جوهرتي للأبد.
دمتم بخير 
مع تحيات : سمراء النيل (د. سلمى النور )

الخميس، 7 مارس 2019

أيها الكاتب تمهل


أيها الكاتب... تمهل

لكي تكون كاتباً يجب أن يحتويك قدراً غير يسير من  الجنون، و أن تكون لصاً محترفاً تمتاز بمهارة خفة الروح في نهب المشاعر وسلبها و الاستيلاء عليها بكل مكامنها ومضامنها
 كونك كاتبا هو اعتراف منك بأنك أكبر وأشهر لص  استطاع سرقة حياه الناس من الواقع،  واختطاف آخرين من أرض الخيال الشاسعة بمهارة بحيث لا يستطيع أحد أن يطبق عليك قانون أو أن تقع تحت طائلته، كل ما تسرقه من حياة هؤلاء الأشخاص  تغدو مديناً لهم به،  وهو دين يُثقل كاهلك و تنزح تحته مع تراكمه المستمر.
 فترى نفسك إذا تقمصت المكتئب جاءتك مشاعر حزينة و لو تعلقت به أكثر لربما فكرت في الانتحار مثله وواجهت نفس مصيره.
 والأعجب لك إذا بحث عن وكر الأشرار حيث يختبئ السيئون جداً، ترى نفسك وقد صرت أسوأ منهم و تفكيرك صار يميل إلى الجانب الأسود المظلم، تقتل على الورق وتنشر الجثث والأشلاء و تفوح من كتاباتك رائحة الدم المتخثر و روائح منتنة أخرى.
أما إذا مررت بجانب الحب فسيخفق قلمك طرباً وسعادةً، و تنتشر رائحة أزهار الربيع وتصدح الموسيقى بالأرجاء وتسمع رقص الشخصيات، و تتفتح قصص و حكايات سعيدة و تسمع ضحكات القراء.
والطفولة مبهجة جداً ومضحكة في ردودها وطريقة تفكيرها فكما عالم الأطفال برئ وطاهر فكذلك تكون أنت حين تتحدث بلسانهم وترجع لذكريات ومقالب خبئتها في الذاكرة وأوصدت عليها باب الخروج بعذر: لقد كُبرت الآن.
وكلما حضرك موقف طفولي ابتسمت لنفسك ثم تتلاشي هذه الابتسامة سريعا وتجري منك خائفة بعدما غدوت كبيراً عاقلاً مسؤولاً كما تسمي نفسك. 
والكثير ….. الكثير مما لا يمكن حصره هنا من تحول حالات الكاتب.
 وهذا اعتراف مني بأني قد سقطت حين أغواني القلم وعشيقته البيضاء الجرداء العارية من أية أسطر، حين توسلا إليّ وأصدقكم القول إن إقناعي ليس بالأمر العسير فأنا منذ صغري أهوى القلم وأحذره في ذات الوقت ، هو حب حذر أو خوف يشوبه الحب خيفة، هي كعلاقة الشد والجذب أو كالمد والجزر.
حين توسلا إليّ ونصحاني بالتجربة فقط، لا شيء مخيف أمسك هذا القلم وأفرغ على قلبي كل أسرارك فأنا خازنة الأسرار.... صدقني.
هناك أول مرة في كل شيء والآن أدركت يقيناً ماذا يعني الإدمان ولِمَ هو مشكلة مستعصية على الحل  حتى على الخبراء، كإدمان المخدرات بيد أن الأخرى تظهر أعراض مريضها خارجياً، فينتبه له الكل ويساندونه وينصحونه، وقد يساعدونه فيتماثل للشفاء محاطاً بمحبة أهله ومن حوله.
على عكس مدمن الكتابة الذي لا يستطيع مصارحة من حوله فهو في نظرهم ليس سوى كاتب أو مجنون أو مهوس أو مرتبط بأحد الشياطين ينزل عليه ليُملي عليه ما يجب أن يُكتب، أو يهيم ببقايا عقله بين الأكوان والصفحات وعوالم الغبيات.
فلا أحد يعينه، وتجده يستغرب نظرات من حوله، فالكاتب مريض لا يعترف بمرض تميزه ويؤمن بأن عصا السحر بين يديه تستطيع أن تشفي عقولاً أو تحارب مجهولاً أو تنشر وعياً ذا قيمة….
لذا لا يتوقف عن الكتابة والجنون ، قد يحدث تغييراً حقيقياً أو تدمير ذاتياً إذا لم يفلح ، أو لم يحقق ما يصبو إليه... فيعاود مرض السرقة ويساعده القلم الضال والورقة العارية فيستمر في تحريك أصابعه يخط ما يشاء بغير مراقب ولا محاسب.
فمن لي ليساعدني …
فمن لي لينصحني …
فمن لي ليوقفني عن غييّ وتيهي...
فمن لي ليهديني طريق الرشاد.. ويعيدني جادة الصواب.
أعود وأقول:
لكي تكون كاتباً عليك أن تكون متطفلاً لبقاً و سارقاً محترفاً، لتسرق من خصوصيات الناس وتعيد صياغتها في قالب درامي آخر يُلهي من حولك عن معرفة أنفسهم، ويحدُث في أحيان كثيرة أن يمرض لمرض شخصياته أو يحزن لأجلهم، وقد يفيض الدمع منه حزناً فأي جنون هذا أيها الكاتب إنه يدرك سر العظمة التي أودعها الله بقلمه فجُعل له قدرة التأثير على الناس....
 ليكن الله في عونك أيها الكاتب ...
دمتم بخير
مع تحيات سمراء النيل (د. سلمى النور )