السبت، 6 يونيو 2020

الضمير النائم الجزء الثالث


الضمير النائم "الجزء الثالث"

استيقظت انجليا لتجد نفسها مُستلقية على سريرِ مريح في غرفة جميلة جلست تتأمل الغرفة، فإذا هي مرتبة و نظيفة، لونها يميل إلى الوردي الغامق باستثناء طاولة وضعت في منتصف الغرفة ذات لون كستنائي، وباقة من الورد الحمراء فوقها، نظرت انجليا للورد مطولًا قبل أن تتذكر ما حدث.
لون الزهور الأحمر القاني ذكرها بدماء شارلينو ولورا، غرقت عيناها بالعبرات رمت نفسها في السرير تبكي، بكت بحرقةٍ و ألم، بكت بكلِ لوعة، بكل أسى، بكل يأس، تساءلت في نفسها عن مصير شارلينو العزيز.
 أغمضت عيناها وتذكرت وجهه، ابتسامته، صوته وضحكته، تذكرت لحظاتهما معاً، لم تستطع إيقاف شلال الدموع المتدفقة، وفجأة فُتح الباب ودلفت إلى الداخل فتاة شقراء، تقدمت و وضعت علبة على الطاولة الكستنائية.
 نظرت لانجليا وتقدمت لتفتح نافذة الغرفة، أغمضت انجليا عينيها مع سماعها لصوت الباب، ولكن من بكائها كان واضحاً أنها ليست نائمة وبدا ذلك من خلال تنفسها وشهيقها، اقتربت الفتاة الشقراء من سرير انجليا وقالت:
 يبدو أنك مستيقظة، اسمك انجليا أليس كذلك؟!! حسنا انا أدعى ماري .
رفعت انجليا بصرها ورأت ماري أمامها، قالت ماري بانفعال :
 ما هذا ؟ يا إلهي لقد كنت تبكين، انظري لعينيك.
أسرعت ماري وعادت في يدها مرآة نظرت انجليا لنفسها ، فرأت عينيها وأنفها وخدودها بل وجهها كله منتفخ ، محمر.
علقت ماري بقولها: لا داعي للبكاء فقد انتهى كل شيء.
سألتها انجليا بلهفة : هل تعرفين مصير شارلينو ؟
جلست ماري على السرير بجوار انجليا وهي تقول ببرودة: لقد قتلوه.
شهقت انجليا عاليا فقالت ماري : نعم ، لقد مات .
أطلقت انجليا آهة ملؤها الألم و الحزن وانفجرت في عويل جارف ...
ربتت عليها ماري قائلة : لا تبكِ، فالبكاء لن يعيد الميت ، اهدئي إذا لم تهدئي ستسمع السيدة كاميلا صوتك وستأتي ، خفضت صوتها وهي تتابع حديثها:
 السيدة الكبيرة في هذا المنزل هنا هي السيدة كاميلا ، هي امرأة عصبية وصارمة في العمل ، وجميلةٌ أيضاً .
بدا صوت ماري ينخفض حتى الهمس وهي تقول: إنها امرأة جذابةُ للغاية وتبيعُ نفسها بأغلى الأسعار.
رفعت انجليا رأسها وقد جذبت اهتمامها العبارة الأخيرة فتمتمت خلفها ببطء... تبيع نفسها ...كيف ؟!!
أدركت ماري أن موضوع السيدة كاميلا جذب اهتمام انجليا وأنساها دموعها فقالت :
إن السيدة كاميلا هي مديرة هذا المنزل وتملك البار الذي يقع في الشارع المقابل ، قطعت كلامها ونهضت متجهة نحو النافذة وأكملت :
سأحكي لك كل شيء بعد أن تنهضي من مكانك هيا...هيا....
نهضت انجليا بمساعدة ماري واتجهت معها لتكشف لها ماري بابا يقع خلف ستار سميك بلون وردي جميل .
دخلت معها الحمام وقالت لها : سأنتظرك بعد الحمام ، لأحكي لك ونبدأ فنون العمل الجديد .
سألتها انجليا : ماذا تعنين ..ابتسمت ماري وهي تحضر لها صندوق متوسط الحجم وتضعه أمام انجليا : هنا كل ما تحتاجينه من أدوات النظافة و ألوان الأصباغ . خذِ حمامك واسترخ ِ.
اقتربت من انجليا : هيا يا صديقتي سأنتظرك فأمامنا الكثير لعمله .
 ربتت عليها قائلة :
 أشكري الرب إنه منحك شرف العمل مع السيدة كاميلا، حيث ستتلقين معاملة أرقى وأجمل . ولكن عليك أولاً أن تنالي رضا السيدة عنك .
ثم خرجت بهدوء تأملت انجليا المكان ، إنه حمام جيد ، لا يشبه تلك البيئة التي عاشت فيها انجليا ، على الأقل إنه نظيف و جميل ، انظر الى كل هذه المستحضرات و الألوان هل تحتاج الواحدة منا الى كل هذا !!!  
   لا بد أن السيدة كاميلا هذه امرأة غنية لتوفر هذه المواد للعاملات لديها .
ترى ما الذي ستطلبه مني مقابل كل هذا ؟! لا أعرف ما يدور حولي ، آهه منك يا شارلينو ، لقد تركتني وحيدة ، أدخلت يدها في الماء الدافئ وأغمضت عينيها فاختلطت دموعها المالحة بالماء الدافئة .
قضت ما يقرب من ساعة كاملة في الحمام ، بعدها خرجت للغرفة واتجهت نحو الطاولة لتتأمل صندوق الزينة الذي أحضرته ماري .    
جلست على الكرسي ووجهته نحو النافذة، تنظر إلى أشعة الشمس المقتحمة الغرفة
 و هي تُحدث نفسها : لقد ذهب شارلينو و يجب علي مواجهة مصيري بنفسي ، و لن أبكي أبداً ، فالبكاء لا يجدي نفعاً و لن يَحُل مشكلة، كانت هذه آخر وصايا شارلينو حبيبي و لكن هل مات حقاً؟!
سمعت طرقات على الباب ، فالتفتت فإذا هي أمام زميلتها الجديدة ماري حاملة صينية طعامها في صمت. بعدها تركتها ماري لتنام .
 غرقت انجليا في نوم تراودها كوابيس مزعجة ، وفي المساء أتت إليها ماري الشقراء و حدثتها عن العمل الذي ينتظرها.
 أخبرتها أن ساقها ستشفى في خلال أقل من أسبوع و بعدها تتفرغ لنفسها، و من ثم تَراك السيدة كاميلا ، فإذا كنت سعيدة الحظ و أعَجبت السيدة كاميلا و أرضيت رغبات زوارها، ستعينك معها في البار، ستكسبين الكثير .
 بار السيدة كاميلا من أكبر البارات في المنطقة ، و هو دائماً مكتظٌ بالرجال على اختلاف طبقاتهم و أذواقهم ، لذا فالسيدة كاميلا تحب انتقاء الأفضل لزبائنها. أدركت انجليا أنه لا طريقة للهرب ، و ليس لها خيار إلا أن ترضى ، فلم تستطع أن تنام تلك الليلة.
أخذت تفكر في طريقة للهرب فلا يمكن أن تبيع نفسها أبداً حتى لو اضطرتها الظروف لفعل ذلك ، فهل تَرضى أن تبيع نفسها بإرادتها ، لا .. لا .. لا يمكن، فكرت طويلاً .
 رأت بعينيها كيف يعاملون خدمهم ، ذكرها ذلك بماندي المسكينة و ذكرها أيضاً بتلك الحياة الصعبة التي اختطفت طفولتها و براءتها لتنشأ خادمة تعمل في الحقل، و تتلقى كل أنواع الإساءات ، ما هذه الخيارات الظالمة ، هل يتوجب عليّ أن أحيا حياتي كخادمة أو عاهرة أبد الدهر؟!
لا .. و ألف لا لن أكون كما يريدون  و سأهرب لأحقق آخر حُلمٍ لي بالعودة للوطن، بعد موت شارلينو العزيز.
في الصباح استقبلت ماري ببشاشة و تحدثت معها و أبدت لها الموافقة و أنها فكرت ليلة الأمس، و قد أقنعت بكلامها، و بدأت تسأل ماري و أخذت الأخرى تحكي لها عن البار و البيت الكبير و الفتيات .
و كانت انجيليا تحرص على معرفة كل تفاصيل البيت، عزمت على الهرب،  وقررت أن تحاول الهرب بمفردها فيكفي صديقتها لورا حين قتلت بسببها، تعرفت انجليا على زميلاتها ماري ، تيرا، إيزابيل.
 شفيت ساقها و أصبحت تعرف كل شيء عن البيت الكبير ، و حين حانت ساعة الصفر ، خرجت من غرفتها بعد العشاء و ذهبت للطبخ ، التقت تيرا هناك، تحدثتا قليلاً ، علمت منها أن السيدة كاميلا ستأتي غداً للبيت، انتهزتها فرصة ثمينة، فوجود السيدة يعني مزيداً من الرجال و الزحمة و الشراب ، و غيره.
انجليا لا تتحمل رؤية وجه السيدة كاميلا الممتلئ بكل الألوان الصارخة، إنها ليست جميلة كما يَدعون ، كما أن غرورها يَفوق الحدود .
 أنهت انجليا كلامها مع تيرا قائلة : سأخرج لأتمشى في الحديقة أريد أن أتامل ضوء القمر ثم أنام، لأقابل  سيدتي بوجهِ مشرق فغداً  تكون ليلتي الأولى .
ضحكت تيرا وغادرت لغرفتها قائلة : افعلي ما يحلو لك ، فكل واحدة منا يهمها أن تنال استحسان السيدة لتنال المزيد.
 خرجت للحديقة و قطفت  بعض الورود ألقت بعضها خارج السور، وقفت تتأمل القمر، هبت نسمات ليلٍ رائعة جعلت شعرها يتطاير أمامها ، أمسكت بخصل شعرها وتذكرت شارلينو، غرقت عيناها بالعَبارات فمسحتها بسرعة قائلة : كل هذا من أجلك، لن أدع أحد يمسني بعدك، فأرجوك ساعدني.
 أعادت شعرها للخلف وحملت أزهارها وأخذت نفساً عميقاً ثم توجهت ناحية البوابة كان هناك جمع غفير من الرجال قادمون باتجاه المنزل ويحملون زجاجات شرابهم في أيديهم ، ويبدو أن بعضهم ثَمل ، دخلوا  عبر بوابة المنزل بينما انجليا تهم بالمغادرة لانشغال الحارس بالضيوف، وما إن لمحها الحارس حتى هب واقفاً.
 قالت انجيلا: لقد جمعت بعض الزهور لكن الهواء طيّر بعضها وراء سور البيت وأنا بحاجة إليها، خفضت صوتها، أرجوك لن يراك أحد وأنت تسمح لي بالخروج.
قال بصرامة:  لا، لا يمكن أن أسمح لك بذلك.
قالت بدلال واضح: ألا تثق بي، سأحضرها  فقط، كما أنك لا تستطيع أن تترك مكانك خالياً .
 أجابها الحارس : لا بأس.. دعيها واقطفي غيرها.
 تقدمت انجليا منه قائلة : أنا لن أهرب لأنه يجب علي مقابلة السيدة غداً ، وأود أن أقنعها وأطلب رضاها وقد أعجبتني تلك الأزهار.
 صمت الحارس ولم يعلق وتأمل انجليا و هي تقف أمامه بثوب قصير وشعرها المسترسل على كتفيها، استغلت انجيلا الموقف وسألته: في رأيك هل ستوافق السيدة كاميلا وتعينني معها في البار؟
أجاب الحارس بسرعة: طبعا فأنت جميلة و جذابة أيتها الزنجية الرائعة.
ضحكت انجليا وتقدمت منه قائلة: هيا لا تَدعيني أفقد فُرصتي، ساعدني أرجوك، أنا لن أتأخر..
 بلع الحراس ريقه بصعوبة وهو يتأمل انجليا تراجع خطوة للوراء فتقدمت انجليا و قبل أن تخرج أمسك بيدها وقال: لابد أن أخذ شيئا بالمقابل.
 نظرت إليه انجليا فهمس لها: قُبلة..
 ابتسمت له مسبلة وأسبلت عينيها وسحبت يدها منه.
 ظل يمالطها فراوغته قائلة: حين أعود لن أتأخر.
أجابها بخبث: لا.   لا.... الآن واحدة بعد أن تعودي الثانية.
 المهم استطاعت أن تراوغه بصعوبة و خرجت وهي لا تُصدق كيف فعلت ذلك بنفسها، فتنهدت قائلة: كم أكره هذا الحارس حقا؟
 مرت أمام سور البيت وانطلقت راكضة بسرعة لا تُصدق نَفسها.
 لم تشعر بنفسها وهي تركض بلا هدف أو وجهة محددة، لا تدري إلى أين ؟ المهم فقط أن تركض مبتعدة عن البيت ، عن السيدة ، عن البار عن هذه الحياة البائسة .
*********

الاثنين، 1 يونيو 2020

الضمير النائم ( الفصل الثاني )



الضمير النائم ( الجزء الثاني)

 بدأت خيوط الشمس تتسلل نحو النوافذ ، حينها كانت انجليا و لورا تكملان إعداد الحقيبة، بعدها أسرعتا للفراش، و لم تمض دقائق حتى دخلت المشرفات ليوقظن الفتيات، تظاهرت لورا و انجليا بالنعاس و هما تُحمِلان نفسيهما بكسلِ واضح.
 بعدها مر كل شيء بسلام، إلى أن ذهبن إلى الحقل، نعم إلى الآن كل شيء يسير حسب الخطة.
 و ها هي انجليا تدخل من الباب الخلفي بعد أن هربت من الحقل، دخلت الغرفة لتُخرج الحقيبة و لكن فجأة تدخل عليها كاتي المشرفة، ارتبكت انجليا و هي تنهض لتقف أمامها .
 سألتها كاتي: هل أنت مع الفتيات اللواتي تم بيعهن ؟
 ووجدتها انجليا فرصة ثمينة فقالت بسرعة: نعم لقد تقرر بيعي في الدفعة الثانية
 و أنا الآن أريد حمل حقيبتي للحاق بالفتيات في الحافلة التي وصلت.
 قالت كاتي : لا أذكر أني قرأت اسمك ضمن البنات المراد بيعهن .
حملت انجليا حقيبتها و هي تقول : لابد أنك نسيت و لكني أذكر هذا، على كل حال يجب ألا أتأخر.
 تحركت كاتي مبتعدة و قالت : لا بأس هيا أسرعي ، أنا سأتفقد باقي الفتيات.
 تنفست انجليا الصعداء بعد خروج المشرفة، فتحت الحقيبة للمرة الأخيرة، و بعدها انطلقت مسرعة نحو منطقة الحوض السفلي و هي منطقة شديدة الانحدار و عميقة، غالباً ما تتجمع فيها مياه الأمطار و الوديان.
 اتجهت انجليا بخطى مسرعة و خائفة و بدأت تنزل من المنحدر و هي تتمسك بشجيرات صغيرة و لكن قبل أن تمد يدها تدحرجت الصخرة التي كانت تقف عليها ، فهوت انجليا إلى قاع المنحدر  و سقطت مغشياً عليها، لم تدرك كم مر عليها من الوقت و هي على هذه الحال.
 و تسلل إلى مسامعها صوت دافئ يناديها: انجليا .. حبيبتي هل أصابك مكروه ؟ استيقظي أرجوك .. لا تتركيني ... هيا يا حبيبتي .
 فتحت عيناها ببطء لترى وجه شارلينو الأسمر أمامها قالت بصوت ضعيف : أين نحن الآن ؟
رد شارلينو و هو يرفعها: لقد سقطت يا حبيبتي ، لقد انتظرتك عند التل و عندما لم تأتي عدت إلى الحقل و إلى البيت و هناك رأيت لورا فأخبرتني أنك خرجت فعدت اقتفي أثرك إلى أن وجدتك .
 سألته انجليا :  كم الوقت الآن ؟
قال شارلينو : لقد تأخرنا فالأفضل لنا أن نُسرع .
 وقفت انجليا و لكنها صرخت متألمة مِن ساقها ، انحنى شارلينو ليفحص ساقها . سألها : هل التوى كاحلك ؟
 ردت انجليا : نعم ، أعتقد هذا لا أستطيع السير عليها الآن .
 نهض شارلينو و تأمل المنحدر و قال يجب أن نسرع فالوقت ليس في صالحنا والطريق طويلة  جداً .
 قالت انجليا بيأس : لن يسعنا الوقت لتجاوز صخور المنحدر، و بالتالي لن نصل التل الكبير، كل هذا بسببي ، لقد فشلنا..
 فنظر إليها شارلينو و هو يقول:  ماذا بعد؟!! هل ستبكي؟ ألم أعلمك مرارا ألا تبكي أمام المشاكل والعوائق، الدموع لن تحل المشكلة .
 مسحت انجليا طبقة رقيقة من الدموع ظهرت في عينيها. وابتسمت لشارلينو قائلة : ما الحل إذا ؟
 ضحك شارلينو: الحل بسيط أنت احملِ حقيبتك على ظهرك و أنا سأحملك على ظهري، ظهرت الدهشة واضحة على انجليا ، فأكمل شارلينو : ألديك حل آخر !!
 لم ينتظر سماع ردها ، فأحضر الحقيبة ووضعها أمامها ، ارتدت حقيبتها و حملها شارلينو واندفع يشق طريقه إلى أعلى المنحدر ، أحست انجليا أنها ثقيلة عليه ، حتى شعرت أن قميصه قد التصق عليه من العرق ، قالت له : هل أثقلت عليك ؟
 قال شارلينو  و هو يمد يده إلى الصخرة التالية:  لا تقولِ هذا ... انقطعت عبارته فجأة مع انزلاق الصخرة ، أطلقت انجليا صرخة و هي تمسك بشارلينو أكثر . استطاع شارلينو أن يحافظ على اتزانه ،وتقدم بصعوبة و هو يقول بصوت متقطع : لا تتحدثِ معي حتى لا أفقد التركيز .
خجلت انجليا من نفسها فآثرت الصمت على أن ترد عليه ، و أخيرا وصل شارلينو إلى الجهة الأخرى ، نزلت انجليا بسرعة بينما ارتمى شارلينو على الأرض و أنفاسه تتصاعد ، أغمض عينيه و هو يسمع انجليا تقول له  :لا تستلقِ على الأرض هكذا و نحن في عز الهجير .
رد عليها و هو مغمض العينين : هل تخشين أن يسمر وجهي ؟!!
 أطلقت انجليا ضحكة عذبة و هي تقول : لم أراك في يوم أبيضاً و لم يعجبني فيك شيء أكثر من سمرتك.
 ابتسم شارلينو في رضا و لكنه فتح عينيه فجأة مع نزول قطرات من الماء على وجهه ، ليرى انجليا و هي تسكب الماء على يدها لرشها على وجه شارلينو ، جلس مقابلها و نظر إليها ثم أمسك بيدها بين يديه و رفع يدها و هو يقول : أعرف إنك تريدين أن تخففي عليّ و لكن لا يجب أن تهدر الماء هكذا، طبع قبلة دافئة على يدها و نهض قائلا :هيا لنسرع  .
 قدمت له الماء قائلة بهمس : اشرب إنك متعب ، أمسك بأصابعها فحاولت أن تسحب يدها فقال لها : ألم تقولي لي أن أشرب .
قالت انجليا: لا، لا يمكن أن أسقيك أنا ،خذ أنت و أمسك بنفسك .
 ابتسم و هو ينظر إليها: لا لن أترك أصابعك و ستسقيني أنتِ .
لم تستطع انجليا أن تنظر لعينيه و هو يمسك بيدها و يرفع الإناء و يشرب، لكنها لم تمهله طويلاً حتى سحبت منه الإناء قائلة : هذا يكفيك .
 انفجر شارلينو  ضاحكاً عليها ، في حين قالت هي بصوت منخفض :أحمق كالمعتاد . سألها شارلينو : ماذا قلت ؟ ابتسمت قائلة : لقد تأخرنا .
 تمتم قائلاً: نعم ، نعم و لكن كيف ساقك الآن ؟
 أستطيع السير عليها و لكن ليس طويلاً، لا بأس سأحملك حتى التل.
 لا لا شكرا لك.
 نظر إليها بدهشة ثم حرك كتفيه قائلا : كما تشائين .
 مشى خطوتين أمامها، و نظر إليها ليجدها لا تقوى على المشي .
عاد و حملها أمامه قائلاً :أرأيت لا داعي للعناد.
لفت ذراعيها حول عنقه و رفعت بصرها إليه و هي تتأمل تقاسيم وجهه، أحس أنها تنظر إليه فقال لها: سأسرع الخطى فتمسكي جيداً .
 خفضت بصرها و زادت تعلقاً به بينما أسرع شارلينو خطواته ، و بدأت أنفاسه تتصاعد.
 أحست انجليا بصدره يصعد و يهبط مع تسارع خطواته و أنفاسه، و أخيراً برز أمامه التل الكبير.
قالت انجليا بفرح : لقد نجحنا أخيراً .
 ابتسم شارلينو في سعادة غامرة، أسرع و هو يحملها و الأمل يدفعهما نحو المستقبل.
  قالت انجليا بصوت ملؤه الفرح و التفاؤل : بعد هذا التل سننطلق نحو الحرية ،و نعود لديارنا و سأعرفك على أبي و أمي  و إخوتي و أخواتي ، نعم هناك في منزلنا حيث المزرعة ..
 قاطعها شارلينو قائلا: دعينا نجلس قليلا قبل صعود التل .
أشارت انجليا إلى شجرة عجوز: إذن  لنستريح هناك .
جلسا هناك تحت ظل الشجرة قالت انجليا: يكاد قلبي يطير من الفرح ، ما زلت لا أصدق نفسي .
رد شالينو: بل صدقي يا عزيزتي فأنا و أنت هنا بجوار التل الكبير و تحت شجرة عجوز هرمة .
ضحكت انجليا قائلة : لكنها جميلة و رائعة لأنها احتوتنا معاً و جمعتنا .
 نظر شارلينو لانجليا و قال بصدق : أحبك يا انجليا نعم أحبك ، و أول ما سأقوم به فور وصولنا الزواج بك
 قالت انجليا : إن كنت تحبني حقاً ، أغمض عينيك .
 ظهرت الدهشة على وجهه ولكنها أشارت له أن يغمض عينيه.
 أغمض شارلينو عينيه في حين فتحت انجليا الحقيبة و أخرجت هدية صغيرة ، أغلقت يدها و همست لشارلينو: افتح عينيك الآن.
 فتح عينيه ليرى انجليا فاتحة يدها أمامه و قد ظهر في منتصف راحة يدها شيء أشبه بالحبل، مد يده ليحمله، فإذا انجليا تقول له : هذه هدية مني لك ، إنه جزء من شعري قد قصصته و صنعته كضفيرة لتحتفظ به.
 تأمل شارلينو الضفيرة و هو يقول : إنها جميلة و لكن لم يكن هناك داعي لتقصي من شعرك الرائع .
 قالت انجليا : هل أعجبتك ؟ 
رد شارلينو : يكفي إنها منك و من صنع يديك ، ثم أضاف : أحبك و أحب أي شيء يذكرني بك ، و سأحتفظ بها لحين موتي لتدفن معي و هذا وعد مني ، لم يكن أحد يعلم أن هذا هو آخر وعد بينهما ...
نهض شارلينو بعد أن خبأ هدية انجليا ، سألته انجليا :أنا لا أسمع أي صوت لعَربة من الجانب الآخر هل توقفت ؟
 رد شارلينو : لا أعتقد لكن إذا شئت صعدت إلى هناك و رأيت،  خصوصاً أنه لدينا ما يكفينا من الزمن و صعود التل لن يستغرق وقتاً .
 قالت انجليا : لا بأس اصعد هناك لترَ ثم عد بسرعة .
أومأ شارلينو برأسه موافقاً و تحرك مستعداً و هو يقول : لا تتحركِ .. لن أتأخر.
 جرى شارلينو بسرعة و هو يهتف باسم انجليا ، و انجليا ترد عليه، وصل للأعلى في وقت قصير و تأمل الطريق أمامه خالياً من العربات ، التفت للخلف ليرى حافلات و سيارات تثير الغبار و هي تأتي مسرعة نحوهم،  تأمل الحافلة فإذا هي
لا يمكن هذا.. ليس الآن على أسوأ تقدير.
 انطلق شارلينو مسرعاً ليحذر انجليا و يبتعدا عن المكان، أسرع راكضاً بكل قوة و لكن ما أن وصل حتى رأى انجليا و قد أمسك بها رجلين و المشرفة كاتي قد نزلت من السيارة و في يدها سوط كبير و قد بدا الشرر يتطايرُ مِن عينيها ، صرخت انجليا حين رأت شارلينو يقترب : اهرب يا شارلينو... اهرب أرجوك لا تعد من أجلي .
 صفعتها كاتي على وجهها قائلة : يا للوقاحة ،أتحذريه منا و تضحي أنت !! لا بأس سأريكِ كيف تكون التضحية الحقيقة .
 اندفع شارلينو بقوة و اشتبك مع الرجلين الممسكين بانجليا، سقطت انجليا على الأرض ، أمسكت ساقها بألم و عينيها مصوبتين نحو شارلينو و هو يعارك الرجلين .
 صرخت انجليا : أرجوكم دعوه ... اقتلوني أنا و لكن هو لا ، لا لا ....
بالرغم من أن شارلينو كان قوياً إلا أنه لم يستطع هزيمتهم بالفعل إن الكثرة تغلب الشجاعة  لكن العراك استغرق وقتاً ، قبل أن يتمكنا من هزيمة شارلينو  و ألقوا به
و الدماء تنزف منه  بغزارة ، زحفت إليه انجليا و الدموع تملأ عينيها وصلت إليه فمسحت الدماء التي غطت وجهه ، نظر شارلينو إليها و قال : آسف ، لم أنجح في حمايتك .
 قالت انجليا بصوت متهدج من البكاء:  لقد فعلت  كل ما بوسعك .
قال شارلينو و هو يمسح دمه : أنا خائف عليك يا انجليا  ، فهم لن يرحموك أبدأ .
 قالت انجليا و أثر البكاء بادٍ في صوتها : لا تشتبك معهم سيقتلونك لقد حوصرنا .. وانتهى الأمر .
تقدمت كاتي بابتسامتها الماكرة من انجليا و ركلت انجليا في ساقها المصابة ، صرخت انجليا بألم  نهض شارلينو فجأة و واندفع مسرعاً نحوها مسدداً  ضربة قوية لها، لم يحتمل تصرف كاتي.
 صرخت كاتي من المفاجأة و الألم و ردت فعل شارلينو.
صرخ بها شارلينو : إياك أن تمس انجليا بأي سوء.
صرخت كاتي قائلة : أنت أيها العبد ، كيف تجرؤ؟!
أسرع رجلين ليمسكوا بشارلينو، قالت بغضب: سأريك أيها العبد الأسود ،أتحبها؟ ، أتحب هذه الخادمة؟؟ اقتربت من انجليا وهي تقول بصوت مملوء بالحقد والكراهية : أتحبها ؟!
 أمسكت بشعر انجليا وشدته إليها ، صرخت انجليا .
 قالت كـاتي : هيا قفي .
قالت انجليا بضعف : لا أستطيع.
شدت شعرها أكثر وهي تقول : بل ستقفين وعلى قدميك ، نهضت انجليا مضطرة والدموع في عينيها ، هتف شارلينو : دعيها ، وعذبيني أنا .
ابتسمت كـاتي والحقد في عينيها :أضربتني من أجل هذه الزنجية ، لابد أنك  تُحبها .
ضربت ساق أنحليا بشدة وصرخت انجليا التي أوشكت على السقوط  لكن كاتي كانت ممسكة بشعرها وقالت: هل آلمتك؟ 
وأكملت في سخرية : اعذريني لم أقصد !!!
وعادت تنظر لشارلينو وهو يحاول جاهداً التحرر من الرجلين  فقالت كـاتي:
 كل هذا الجهد من أجلها، لابد أنك تحبها ولكن لن أتركها إن لم تُجب علي.
نظر شارلينو لانجليا التي انهمرت الدموع من عينيها وبدا الألم واضحاً على وجهها فقال شارلينو : أنا لا أحبها فقط بل أعشقها .
رمقته كـاتي بنظرة قاسية فقال شارلينو : أرجوك اتركيها وافعلِ بي ما تشائين أطلقت كـاتي شعر انجليا فسقطت على الأرض.
 أشارت كاتي لرجل فتقدم و أمسك بانجليا وقالت كاتي : يسعدني أن أقتلكم.... ولكن... صمتت كاتي مطولاً، اقتربت من شارلينو،  نظرت إليه باحتقار ثم أكملت قولها ، يكفي أن أقتل شخصاً واحداً .
 ونظرت لانجليا وأكملت : حتى لا تقولوا عني إنني متعطشة للدماء .
قالت انجليا : اقتليني فأنا مستعدة.....
صرخ شارلينو : لا تقولي هذا ، بل أنا من يجب أن يموت ، فأنا من أقنعك بالهروب و أنا السبب الآن في كل هذا .
نقلت كاتي بصرها بين شارلينو وانجليا ثم قالت : لن أكون قاسية القلب ، لقد قررتُ بيع انجليا
صرخت انجليا بفزع : شارلينو لا ، لااااا...... أرجوك .
 وأشارت كاتي إلى السيارة فتقدم رجل وفتح خلفية السيارة ليخرج جثة لورا ويرميها على الأرض صرخت انجليا من بشاعة المنظر ، كانت جثة صديقتها مشوهة لأقصى حد وقد بان عليها شدة التعذيب الذي تعرضت له قبل وفاتها.
 قالت كاتي : مفاجأة أليس كذلك ؟!
أغمض شارلينو عينيه في ألم وهو يقول : لم قتلتها ما ذنبها ؟
قالت كاتي: لقد كانت تعلم وصمتت ولم تعترف .
رددت انجليا بشهيق واضح :لور..!!..لورا...!!.. ل...!!.لورا!!! صرخت بأعلى صوتها ثم سقطت مغشياً عليها.
 لم تسمع لنداء شارلينو المتكرر لها .
أشارت كاتي للرجل فحمل انجليا واتجه بها إلى السيارة.
قالت كاتي : مسكينة لم تتحمل المنظر.
 نظرت لشارلينو ثم  أكملت قولها : إن حبيبتك حساسة جداً لا تحتمل مثل هذه المناظر.
 قال شارلينو بغضب و الدماء تغلي في عروقه :ما الذي ستفعلينه بها ، أين ستبيعينها ؟؟
ابتسمت كاتي وهي تتقدم نحو السيارة أخرى : سأبيعها في أي مكان أشاء ، وأعدك أن هذه الفتاة التي ضربتني بسببها ، ستتعذب و ستنتقل من رجل لآخر و سأكسب من ورائها الكثير فهي جميلة و مثيرة ، و الرجال سيدفعون مالاً كثيراً .
صرخ شارلينو بكل ما أوتي من قوة : هذا ظلم ، شعر بمرارة وغصة تكاد تخنقه مع تتابع كلمات كاتي : سأبيعها من رجل إلى آخر و ...
شعر شارلينو بالقهر و الاضطهاد ،وها هي انجليا تُحمل وهي مغشياً عليها .
سقطت دمعتين محترقتين على خديه وهو يهتف : انجليا اسيتيقظي... أرجوك انجليا ....
 حاول التحرر من الرجلين ولكن لم يستطيع .
 قالت كاتي وهي تركب سيارتها : لا بأس عليك وليكن هذا درس لك ، وانس انجليا لأنها ستختفي ، أما أنت فسيعيدونك للملجأ و هناك سيقررون مصيرك .
 صرخ شارلينو مع تصاعد دخان السيارة التي حملت انجليا ولم يحتمل أن تصير انجليا لغيره ، وكيف يقف هو مكتوف اليدين ، قاوم الرجلين فاستطاع أن يفلت  منهما فأسرع محاولاً اللحاق بالسيارة ولكن فجأة اخترقت ظهره ضربة من سوط لاذع و مؤلم ، سقط على أثرها وعينيه مصوبتين نحو السيارة إلى أن اختفت من ناظريه وانهالت عليه ضربات السياط اللعين .
وهنا انتهى فصل من حياة انجليا ليبدأ بعده فصل آخر لا يقل عنه مرارة و ألماً.
*******

الأحد، 31 مايو 2020

وحشها الخفي


وحشها الخفي

لطالما عاشت في خوف لا تخبر به أحد لأنه يبدو غير مقبول في نظرها، نعم أبقت هذا الخوف طي الكتمان قدر الامكان؟
لكنه يأبى النسيان...
 يطل عليها وهي في أسعد لحظاتها، نعم.. تراها حين تضحك من أعماقها بسعادة يدب ذاك الهاجس فجأة، تتحول تلك الدموع التي تجمعت في عينيها من الفرح إلى الحزن.
نعم كانت معروفة بأنها تضحك حتى تبكي، يظنها الناس من فرحتها أما هي الوحيدة التي كانت تدرك أن فرحتها العظيمة حينها تغذي ذاك الوحش الكامن بداخلها لذا تحاول الهروب؟
لطالما عاشت  حياتها هاربة منه، وذاك الخوف كان ملاحقا ذكيا يجيد الاختباء في الذاكرة ويتفنن في موهبته الوحيدة وهي إفساد لحظات فرحها.
تذكره جيدا... حين حكى لها جدها نكتة كثيرا ما كان يقولها والدها الذي توفي العام الماضي، النكتة تلك كانت مميزة ودائما ما تضحكها كغيرها من الحاضرون في مجلس جدها لكنها سرعان في آخر ضحكها من نكتة والدها حتى ترى والدها أمامها مبتسما وتدرك إنه مات حقا إنه لن يعود مجدداً.
نعم بقيت النكتة  عالقة  في الأذهان أما هو غاب  بجسده إلى الأبد وسرعان ما أكملت ضحكاتها تلك بدمعة حزن لا تقوى على كبحها.
هكذا كان وحشها المخيف يخبئ لها الأحزان في الأفراح بدقة  متناهية، لذا بعد دموع الفرحة المسكرة تأتي بعدها دموع حزن مالحة في نفس العينين.
أما الآن بعد أن كبرت قليلا استطاعت إخماد وحشها ولو لبعض الوقت أمام الحاضرين وما أن تخلو بنفسها حتى تبكي، أصبحت تخاف الفرح لأنه حزين و ترى السعادة  دائماً متشحة بثوب التعاسة...
فجأة رأت النور يشع في عقلها بجوار الوحش الرابض فيه وهنا أدركت كل شيء بجلاء..
نعم أخاف من اختفاء اللحظات الحلوة وأخشى ألا تتكرر في حياتي لذا أحاول تخزينها.. تزيينها في عقلي لتظل حاضرة لكن إلى متى؟
إلى متى؟
فأنا أيضا مغادرة و سأشع ذكرى في عقل وقلب غيري... كلنا مغادرون
وتذكرت جملة قرأتها في مكان ما لم تستحضره على وجه الدقة، كانت تقول( كلنا فترات في حياة بعض).
 هنا أشع وجهها بالرضا واختفى وحشها دفعة واحدة وقررت منذ هذه اللحظة وما بعدها أن تعيش الآن فقط أن تستمتع بقدر ما تستطيع، أن تضحك، أن ترقص كما تشاء....
فلن أبقى الوحيدة على وجه الأرض بل سأفنى مع الجميع، وقد يبقى قليل من خير عملته ذات يوم...
دمتم بخير دوماً...
سمراء النيل(د سلمى النور )

السبت، 30 مايو 2020

الضمير النائم الجزء الأول


الضمير النائم

كان القمر بدراً في تلك الليلة التي تسلل  فيها أولئك الرجال البيض إلى المنزل الواقع في طرف المزرعة الكبيرة التي يملكهاآل ريتشارد و داخلوا للمنزل عن طريق نافذة كانت قد فُتحت لهم و تسللوا على أمشاط أرجلهم و يبدو أنهم كانوا يعرفون طريقهم جيدا، تجاوزوا الغرفة الأولى وتوقفوا أمام الغرفة الثانية نظروا إلى داخلها حيث تنام الفتيات السبع، أضاءوا مصابيحهم و تأملوا الصغيرات النائمات ، أشاروا لبعضهم نعم ، إنها هي ... كانت الفتاة تنام على الطرف تقدم أولهم بخفة حتى أصبح بجوارها، رآها و هي تغط في نوم عميق بعد تعبها هي و إخوتها في العمل طوال اليوم و بسرعة كمم فمها بمنديله المحتوى على المادة المخدرة قبل أن تبد الفتاة أي مقاومة ، و في لمح البصر كانوا قد اختطفوها و غادروا بسرعة قبل أن يدركهم أحد، كان القمر شاهداً على هذه الجريمة و لكنه آثر الصمت .
 في الصباح كان الجميع في هرج و مرج فقد اختطفت انجليا ابنة بامبو جون المزارع الذي يعمل هو و أسرته عبيداً لآل ريتشارد ، بامبو كان عبدًا مخلصاً لسيده و له تسع بنات و خمسة أولاد ، ولكن لا يكفيهم ذلك المنزل الصغير الواقع في طرف المزرعة  فينام بعض أبناءه في الإسطبل و يعملون جميعهم في خدمة آل ريتشارد ، لم يكن لهم الحق في العيش كباقي الناس فهم عبيد عليهم العمل من أجل راحة أسيادهم لقد عاشوا في تلك الحقبة الزمنية التي كان يسودها الاستعباد ، وتجارة الرقيق حيث تم اكتشاف أمريكا حديثاً ، ومازال الأوربيون بحاجة لهؤلاء العبيد للعمل هناك ، لقد نشؤوا  في مجتمع يسوده التمييز العنصري ، والحقد و التكبر كانوا يدرسون في مدرسة عبيد القرية ثم يتركوها ليعملوا و يوفروا لقمة العيش لهم ، كان بامبو يتعب كثيرا في سبيل أسرته الكبيرة و لكن كان قوت يومه لا يكفيه، فأخرج أبنائه الذكور من المدرسة ليعملوا معه عبيداً لآل ريتشارد . إن آل ريتشارد من الطبقة العليا في المجتمع يملكون المال و العبيد و يحبون الاضطهاد و الظلم فهم في حماية القانون ، القانون الذي يؤيد البيض و يساندهم ضد العبيد السود ، ذلك الظلم الذي لا يخفى على أي عاقل .
رفض آل ريتشارد أن يبيع بامبو أحد أفراد أسرته ليس خوفاً عليه أو شفقة منهم ، إنما خافوا نقصان عدد العمال لديهم فقد يتبعهم عبيد  آخرون، حيث كان نظام الرقيق بدأ في أواخر القرن 16 ، وصارت تجارة الرقيق عملاً مشروعاً وكان الحصول عليهم بإحدى الطريقتين :
 داخلية:  تعني داخل المجتمع الأفريقي نفسه ، حيث يستعبد الشخص الذي يرتكب جريمة ، أو قد يبيع نفسه و ذريته لوفاء دين عليه .
ثانيهما خارجية: حيث تتم خارج المجتمع،  وفيها يتم الحصول على الرقيق عن طريق الأسر في الحروب أو الاختطاف،  و هؤلاء يباعون إلى وكلاء الشركات الأوروبية ليواجهوا مصيرهم المجهول.
 أما أسرة بامبو جون فقد استعبدت منذ زمن حيث باع جون ابنه بامبو منذ أن كان طفلاً ، فنشأ عبدًا لآلريتشارد هو وأبناءه . استيقظت انجليا لتجد نفسها محبوسة في صندوق مغلق ، كانت ترتجف و تبكي ...
 انجليا فتاة أفريقية زنجية ، ذات سمرة جذابة و عينين واسعتين جميلتين ، لم تكن انجليا أكبر أخواتها و لكنها كانت الأجمل خصوصا مع شعرها المتدلي على أكتافها ،  و دائما كانوا يشبهونها بجدتها التي أعطتها هذه الملامح الجذابة إلا أنها لم تأخذ من قوتها و شجاعتها شيئاً ، فكانت انجليا تبكي بحرقة لا تدري أتبكي من الخوف ، أم الجوع ، أم البرد المتسرب لها من شقوق الصندوق ،أم الخوف من المصير المجهول الذي ينتظرها ، المهم أن الأسباب تعددت و لكن النتيجة واحدة .
تذكرت انجليا وجه أمها (أدهيامبو) ذلك الوجه الممتلى ذو علامات واضحة حفرت عليه منذ كانت طفلة حيث تقضي التقاليد الأفريقية بضرورة الوشم ورسم علامات مميزة بكل قبيلة على وجه الفتاة عند بلوغها ، و لكن انجليا ما زالت صغيرة و لم يحن موعدها بعد ، تذكرت أختها الكبرى (باهاتي لو)  التي رفضت الأمر و لكنها في النهاية خضعت للعادات و التقاليد و اكتفت والدتها بكي جبهتها بعلامات واضحة يبدو أن لها دلالات لم تفهم انجليا لها معنى و لكن (باهاتي لو) قالت لها أنها ستجلب لي الحظ.
 تذكرت منزلهم الصغير حيث يتكدسون فيهم جميعهم عند تناول الافطار صباحاً فتلك الغرفتين لا يمكنها أن تتسع لأخواتها البنات و أخوانها الذكور الذين ينامون في الإسطبل ، فكانوا يلتقون جميعا عند الصباح الباكر قبل أن يذهب كل واحد إلى عمله الذي يتقنه ، و لاتدري لم تخيلت لوهلة وجه سيدها ريتشارد أمامه ، هزت رأسها بعنف رافضة كأنها تطرد صورته من رأسها،  لكن ريتشارد كعادته بدا قويا ، نحيفا ، أشقر الشعر ، له نزعة سادية  مخيفة .
 كان ريتشارد قد حضر منذ كان في المهد ، و ترعرع في ظل والده و جده السيد جون الذين استطاعوا أن يملكوا الكثير من العبيد ، فنشأ ريتشارد نشأة الملوك ، و كان كثير الشراب في العادة و قاس القلب و بغيضا كوالده و جده و حين كان شابا استطاع أن يقمع ثورة أولئك العبيد ، و نكل بهم أيما تنكيل ، و لقد نجح بالفعل منذ أكثر من 20 سنة لم يقوم العبيد بأى ثورة ضد أسيادهم البيض ، فقد كان يكفيهم تذكر العقاب الذي ينتظرهم ليقشعر بدنهم و يطردو فورا فكرة الثورة مجددا .  و بينما انجيليا في بكائها المرير مع تناهي إلى مسامعها صوت أقدام تقترب  حاولت النظر عبر شقوق الصندوق و لكنها لم تر شيئاً ، يبدو أن القادم كان يقف بجوار الصندوق و تحدث بلغة لم تفهمها انجليا ، كان يبدو غاضباً من لهجة حديثه و طرقه على الصندوق بعنف ، فارتجفت انجليا بداخله  ولكنه غادر سريعاً ،  ظلت انجليا كاتمة أنفاسها لخمس دقائق أخرى بعدها هدأت قليلاً.
 ظلت انجليا يومين كاملين في الصندوق فألهبها الجوع والبرد وفي صباح اليوم الثالث  شخص ما فتح الصندوق ، أغمضت عينيها لتتجنب أشعة الشمس المباشرة ، خرجت ببطء يتملكها خوف شديد ، فإذا بشخص يلطمها على خدها فسقطت أرضاً ، فتحت عينيها ورأت رجالا يتحدثون بغضب بلغة لم تفهمها ، كان هناك عدد كبير من الأطفال ،رفعها أحد الرجال وألقى بها مع الأطفال ، بكت بصمت خوفا من ضربها ، ولكن رؤيتها لباقي الأطفال أعطاها بعض الأمان ، أخذوهم جميعاًإلى غرفة مظلمة وتركوهم هناك. في مساء ذلك اليوم أحضرا لهم خبزاً جافاً ووزعوه عليهم ، كانوا يلقون إليهم الخبز الجاف مساء  كل يوم.
 نشأت بين الأطفال علاقة قوية أساسها الخوف والحزن ووحدة المصير المجهول . صادقت انجليا فتاة تدعى ماندي كانت ماندي أكبر الفتيات وأكثرهن خبرة ، حكت لهن  كيف عاملوهاعندما حبست في تلك القلعة المخيفة تمهيداً لشحنها عبر السفن، كانت تلك القلعة  آنذاك تمتلك باب واحداً  ويمثل الجسر الوحيد لها أيضاً ، كانت محاولة الهروب مستحيلة ، فقد كانت القلعة محاطة بخندق مائي من جميع الجهات ، كما أن الحراس منتشرون بصفة دورية كانوا حوالي مئتين امرأه تم حبسهن في قاعة واحدة ، وحين يطلب القائد امرأة ، كانوا يقومون بعرضنا عليه في ساحة القلعة ليختار ما يشاء وقد يأخذ أكثر من واحدة ونعود نحن مجدداً للحبس  وبعد أن يفرغ  من أمرها يتركها لحاشيته ،ونحن  ننتظرها فإذا عادت الى الحبس معنا عادت بهيئة يرثى لها و عادة قد تموت بعد أيام من المرض والقهر، و إن لم تعد نعلم أنها قد قتلت .
 أما من ترفض بداية اختيار القائد لها فإنها تعاقب بإحدى العقوبتين: إما أن تربط بسلسلة بها كرة حديدية ثقيلة في ساقها و تظل معلقة هكذا إلى أن تموت .
 وإما أن يدخلوها إلى غرفة صغيرة تسمى غرفة الموت بلا طعام ولا شراب إلى أن تنتشر رائحة تعفن جسدها بعد الموت حتى يتم فتح تلك الغرفة اللعينة ، كانت  تلك القلعة أكبر تجمع لبيع العبيد ، فعندما بدأت تجارة الرقيق بين أفريقيا والبرتغال عام  1441م  كانت جزيرة أرجوين المركز الرئيسي لهذه التجارة على ساحل أفريقيا الغربي .
 وقد شارك الكثيرين في هذه التجارة حتى الأمير هنري الملاح ( 1394_1460) أدلى  بدلوه فيها عندما أحضر عدد من رقيق أفريقيا وأخذ يشجع هذه التجارة بجلب 700 _800 عبدا من أفريقيا ، وتوسعت هذه التجارة بعد اكتشاف الأمريكتين ، وشملت القارة بأسرها حتى كانت كلمة التجارة الأفريقية تعني التجارة بالبشر.
كانت ماندي تهول لهم المصير المجهول الذي ينتظرهم حيث ستعملون عبيداً في المزارع هناك ، حيث قسوة المعيشة وصعوبة العمل و الضرب بالسياط و الهلاك جوعا و تعبا أو جلدا.
 كانت الأيام تمر مخيفة على الأطفال في تلك الغرفة مع قصص ماندي وحكاياتها المخيفة التي تختمها بالموت.
 كانوا يرمون لنا الخبز عبر فتحة في الباب ،  كانت ماندي تدعي أن لا شئ يخيفها ، فقد رأت الكثير من بني جنسها يموتون أمامها ، لكن في  ذلك اليوم  حضر ثلاث رجال ونظروا إلينا بتفحص و أخذوا ماندي و صبي يدعى جون صرخت ماندي وحاولت المقاومة ، أما أنا فخفت كثيراً ولم أقوَ على الحراك ، فتجمدت في  مكاني و صرخات ماندي مازالت تتردد في أذني ، لا أدري ماذا  فعلوا بها ولكن صراخها  المدوي استمر طوال الليل بشكل مفزع ، ومع بداية شروق شمس الغد فتح أحدهم الباب و ألقى ماندي بيننا في حين لم يعد جون ، اندفعت تجاه ماندي ولكني صدمت في هيئتها حيث كانت لا تقوى على الكلام و هناك جراح في أجزاء مختلفة من جسدها ، وشعرها المتطاير وعينيها الزائغتين تتفحص المكان وكأنها لا تصدق أنها بيننا الآن  تكومت على نفسها ، جلست بجوارها أتأمل حالتها وقلت أحدث نفسي : يالسخرية القدر لقد أراها كل ما كان تخافه وتحذر منه ، مسكينة هي ماندي.
 لم يجرؤ أحد على سؤالها عن مصير جون ولم يمر وقت طويل حتى عاد الرجال الثلاثة بضحكتهم المستفزة ليأخذوا ماندي مجدداً، قاومتهم بشدة أكبر ، بدا لي وكأنهم يأخذونها للجحيم، تدخل أحد الأولاد ليساعد ماندي بعدما آلمه المنظر فحمله أحد الرجال وألقى به ، ولكنه عاد مجدداً وأخذوه معهم وخرجوا الرجال الثلاثة ومعهم ماندي والفتى المنقذ. مازالت أصواتهم ترن في عقلي ، ولكن ماندي لم تعد  إلينا ولا الفتى ، لا أعرف ماذا حل بهم ؟!
لكن صورتها المؤلمة لا تبارح تفكيري كنا نحن الأطفال نزيد عن 300 طفل وكانت الرحلة طويلة ، فتعرف الأطفال لبعضهم ونشأت بيننا رابطة جميلة كنا نخاف على بعضنا البعض وقد مرض منا ما يقارب 20 طفلاًكنا نهتم بهم،  قبل أن يعلم الرجال بأمرهم فأتوا وأخذوهم ولم نعلم عنهم شيئا،وحاول أطفال آخرون الهروب  فأرداهم الرصاص موتى ومنذ ذلك الحين والرعب يملأ كياني مع تذكري قتل الأطفال أو قصة ماندي المسكينة .
وحين وصلنا كان عددنا تناقص إلى النصف تقريبا  استغرقت الرحلة عدة أشهر حتى وصلت السفينة ، وتم ترحيل الأطفال سراً في شاحنات مغلقة بعد تقسيمهم،  وفي آخرالمطاف أودعوا جميع الأطفال بيوتاً هناك تشبه الملاجئ أو دور رعاية الأيتام ، و لكن الأيتام أرحم حالاً منهم .
 لم تستطع انجليا في البداية التأقلم على الوضع الصعب هناك ، و لكن بوجود فلورا المشرفة التي ساعدتها في بداية الأمر حيث أشفقت على جسد انجليا الضئيل من أن تلهبه السياط ، فلم تكن توكل إليها المهمات الصعبة .
 كان المبنى ليس بالقديم ، ذو غرف واسعة كانت غرف نوم الفتيات ليس بها إلا  الحصائر و عليهن نساء متسلطات يقمن بالاشراف عليهن و توزيع المهام و تأديبهن إن لزم الأمر .
 كان الخوف هو الزعيم السائد في ذاك المنزل ، الخوف من حرمان الطعام ، الخوف من الضرب بالسياط ، الخوف من التذمر أو الشكوى الخوف....الخوف في كل مكان و قد تربع سلطاناً في قلوب أولئك الأطفال ، كان هناك حديقة خلفية كبيرة ، تعمل فيها الفتيات بينما يعمل الأولاد في الحقل الكبير حيث يؤجرونهم للعمل هناك ، كانت حياة العبودية صعبة للغاية على الفتيات حيث كانت انجليا و جميع الفتيات يستيقظن في الصباح الباكر ليتهيأن للعمل فيخرجن مع الأولاد للحقل حيث يعملن حتى منتصف النهار ثم يعدن ليكمل الأولاد العمل إلى المساء ، و يعدن ليبدأن أعمالاً أخرى شاقة لا تقل شقاء عن العمل في الحقل، بالإضافة إلى جميع أنواع الإساءات  اللفظية و الجسدية ، ولكن الطعام كان جيدا نوعا ما .
 لم تستطع انجليا أن تفهم ما الذي يجري حولها ؟ كان لبعض البنات عناية خاصة لم تفهم انجليا لها سبباً ، كانت انجليا في غمرة أحزانها و بُعدها عن أهلها وذكريات ماندي المسكينة والرحلة المريرة حين عرفت شارلينوأول مرة ، و التقت عيناها بعينيه عندما كانوا مرة في الحقل و كانت انجليا متعبة للغاية فضربها ماركوس على تباطئها ، اندفعت إليها المشرفة فلورا و ساعدتها، كانت فلورا أطيب المشرفات وكانت ضد أفكار الاستعباد ولكنها مغلوبة على أمرها ، بكيت انجليا و رفعت رأسها لترى شارلينو قد اشتبك في عراك مع ماركوس ، تدخلت المشرفات ليوقفن الشجار و بالطبع تم عقاب شارلينو فيما بعد و لكن هذا الموقف لم تستطع انجليا نسيانه ،فقد بكت لنفسها الجريحة ، حين رأته غضب لأجلها، وهب للدفاع عنها في مكان لم تعرف فيه إلا الظلم و القوة و الذل، انجليا تكره ماركوس لأنها طالما رأته يتحرش بالبنات و حاولت دائما البقاء بعيداً عنه لكنه في ذلك اليوم قد تعمد إزعاجها و ضربها ، أما شارلينو فكان نموذجاً للشاب الثائر المناضل ، و تكررت مواقف نصرته لانجليا في أكثر من مرة ، أعجبت به انجليا إعجابا كبيراً أما هو فقد بادل إحساسها بالإعجاب بمشاعر حب صادقة ووفية ، كان شارلينو يكبر انجليا بثلاث سنوات فقط و حين اختطف كان عمره لا يزال عشر سنوات أقام مدة سنة بعدها أُحضرت انجليا ،أعجبه فيها إحساسها المرهف و ضعفها و خوفها البادي في عينيها ، و حنينها الجارف لأهلها ، فدائما ما كانت تتحدث عن أمها و أبيها و إخوانها و آل ريتشارد  و حينها كان عمرها لا يتجاوز الثامنة  ، ولكن بمرور أربع سنوات قد جمعتهما في الملجأ، استطاع شارلينو أن يتعرف على انجليا و يحتويها ، كانا يلتقيان في الحقل ، فتندفع إليه انجليا تحكي له و تبوح  بما يختلج في صدرها من هموم و أحزان و أسئلة.
أحبته انجليا ، نعم واندفع قلبها الصغير البرئ ليتعلق به ، أحبت فيه شجاعته ، و دفاعه المستميد  عنها و  لونه الذي ألهبته الشمس و أحرقته ، وعينيه ووجهه الذي يعبر كل تقاسيمه على أنه ابن أفريقيا الشجاع الذي ظلمته الظروف ، بلغت انجليا مبلغ النساء و بدأت أنوثتها بالظهور ، و هنا تحول حبها إلى شارلينو إلى عشق و هيام ، سميه ما شئت المهم أنها أصبحت لا ترى غير شارلينو و هي تحلم معه بيوم العودة لأفريقيا حيث أهلها ،  و بالفعل كانا يخططان للهرب ، و لكنهما ينتظران اللحظة المناسبة ، صارحت انجليا صديقتها لورا ذات يوم حين توجهتا للفراش المشترك بينهما  ، وكانت كل منهما  قد أنهت الغسيل الموكل لهما،  ثم ذهبتا للنوم و هناك ألقت انجليا رأسها على صديقتها لورا قائلة : أود أن أصارحك بقرار مهم .
 ابتسمت لورا و هي تقول : ألهذا القرار علاقة بشارلينو ؟
 ابتسمت انجليا و وأومات برأسها موافقة  ، قالت لورا : أعرف مدى هوسك به و مدى حبه لك ،  لكن ما الذي قررتماه ؟ أحس بأن كلاكما مجنون !!!
ضحكت انجليا و هي تقول:  نعم ، كلانا مجنون لذلك قررنا الهرب و العودة إلى بلدنا.
 ذعرت لورا وهبت واقفة : ماذا قلتِ ؟؟ لا بد أنك تمزحين . هزت انجليا رأسها بالنفي و جذبت إليها لورا : إهدأي لأشرح لك .
قالت لورا وهي تجلس : لا بد أنكما جننتما حقاً ، نعم لقد جننتما .
قالت انجليا : أليس من حقنا أن نعيش أحراراً و نعود لأهلنا  ؟!!         
ردت لورا: لا بد أنك حمقاء ، و هل تظنين إنهم اختطفونا وسلبوناحريتنا واستعبدونا وكبرنا في قيود الذل والقهر،  وحين نود العودة لأهلنا سيسمحون لنا بهذه السهولة .  
  - سأحاول الهرب مع شارلينو.
 - إنك تؤكدين لي حماقتك، أنت تعلمين إنهم يبيعون فينا و ستأتي غداً الحافلة الثانية لتأخذ منا الدفعة التالية ، فلو انتظرت لربما باعوك لأناس طيبين .     
- قالت انجليا بانفعال : لماذا تحبين الإختباء يا لورا ، هل تظنين أن لدى الناس الذين يشترون الأطفال قلبا مملوءا رحمة و شفقة،  لا أبدا أنهم أناس قساة ،ولن يحسنوا التعامل معنا بل سيزدادون سوءا ، أنا لا أكذب على نفسي و انتظر وقت بيعي لأناس لا أعرف لم سيشتروني ، هل لأعمال البيت أم غيرها . لقد علمني شارلينو كيف أواجه نفسي أولا قبل أي شئ،  فالأفضل لي أن أجازف فربما أنجح و أعود لأهلي .
- قالت لورا :اهدأي يا انجليا و لكن إن أخفقت ، أنت تعلمين مصير الواحدة منا إذا حاولت الفرار و أمسكوا بها .
- نعم أنا أعلم و لكنني لست خائفة من الموت، أنا واثقة من نجاح خطته.
- اشرحي لي ربما أتمكن من المساعدة ، اقتربت انجليا من لورا و هي تشرح لها تفاصيل خطتها.
أولا سنذهب إلى الحقل المعتاد لكن سأتهرب من العمل بعد مرور الدورية الأولى من المشرفات علينا ، و بعدها سأذهب  إلى البيت بالطريق الجانبي وسأدخل من الباب الخلفي ، حينئذ لن يلحظني أحداً و خصوصاً المشرفات سيكن منشغلات بالبنات اللواتي تقرر بيعهن ، سأدخل و أحمل حقيبتي و سأنطلق إلى منطقة الحوض السفلي ، سأعبرها لأنتظر شارلينو و هو سيوافيني هناك،  بعد أن  يأتي سنسرع نحو التل الكبير فإذا عبرناه سنصل للشارع الرئيسي ، بعدها نحاول أن نوقف أية شاحنة أو سيارة عابرة لتبعدنا من هذه المنطقة،  و هنالك لن يفتقدونا إلا وقت العشاء ، في هذا الوقت نكون أنا و شارلينو قد ابتعدنا و ابتعدنا .
- لورا : يبدو أنكما فكرتما جيدا .
- نعم ، بل إنا كنا نفكر فيها أكثر من ستة شهور حتى استطاع شارلينو إكمال الخطة و شجعته عليها .
- أتمنى لكما التوفيق.
- لماذا لا تذهبين معنا ؟
- لا , لا أنا لست شجاعة مثلك لأتخذ قراراً مصيرياً كهذا ، كما أنه قد تقرر بيعي في الدفعة الثالثة ، وأضافت بهمس:  أحيانا أحس أننا خلقنا للعمل في بيوت الناس البيض .
-لا تقولي هذا بل من حقك أن ... قاطعتها لورا قائلة :
- أنا راضية بنصيبي فلا تتعبي نفسك في إقناعي و لكني فعلا سأشتاق لك و إلى كلامك، و إلى الليالي التي كنا نعاقب فيها معاً ، و امتلأت عيني لورا بالدمع و هي تقول أنا أحبك يا انجليا ، عانقتها انجليا بقوة و هي تقول :
- سأشتاق لك أيضاً ، فأنت صديقتي العزيزة و سأفتقد صحبتك الرائعة يا رفيقة عمري .
لم تنم انجليا تلك الليلة و بقيت تتحدث مع لورا و قد أمسكت إحداهما الأخرى و لم تكن أي منهما تدري أنهما لن يلتقيا بعد ذلك أبدا ، 
فقد كانت تلك هي الليلة الأخيرة.