الجمعة، 31 يوليو 2020

ويحفظ غواليك

ويحفظ غواليك


دعا لي صديق قريب بدعوة جميلة جداً بمناسبة عيد الأضحى المبارك وختمها بكل جمال بقوله "ويحفظ غواليك"

تساءلت فيما بعد من هم الغوالي؟

 وما هي الغوالي عندي وعند الآخرين؟

 أنحن مشتركون فيما نغلي من أشياء...؟

 حسناً ...

حين تحب ساعتك والتي يصدُف أنك اشتريتها حين كنت في منطقة "بلاك فورست " أو "الغابة السوداء" كما يحلو للبعض تعريبها.

 تتذكر كلما نظرت إليها أن هناك جانباً فيك استسلم لجمال الطبيعة وأبهره صنع الخالق آنذاك وسرت في جسدك تلك القشعريرة ورددت بقلب صادق: سبحان الله..... سبحان الله

بالرغم من العجوز الذي عرض عليك ابتسامته الدافئة قبل ساعته الرخيصة واشتريتها أنت بذات السعادة التي شملتكما في تلك الحظة وبقي أثرها يفوح لك كلما نظرت إليها..

إذن ذكرياتك هي التي صنعت من ساعتك الألمانية الرخيصة شيئاً غالياً عليك، بالرغم من سخرية الجميع إلا أنك لم تبالي بهم وظلت معك شيئاً نفيساً ذا قيمة.

أطفالك وأهلك وأصدقائك المقربون هم غوالي لديك بكل تأكيد، مشاعرك تختبأ هنا وتلجأ هناك وبفقدان أحدهم تفتقد جزء منك وهو ما يخيفك حقاً.

نعم عزيزي بفقدانك ذكرياتك أو أشخاص أودعتهم شيئاً فيك فإنك تفقد ذاتك جزءاً جزءاً... شبراً شبراً...  إلى حين التلاشي الكلي.

 تهب تلك الريح التي ستقتلعك بقوة من جذورك مهما كنت محصناً ببقايا ذكريات مهترئة كساعتك الرخيصة التي ظننت مع الوقت إنها أصبحت شيئاً ذا قيمة عندك.

أدام الله جمعكم وأفراحكم وظللكم بأنوار السعادة تحيطكم...

كل عام وأنت بخير...

 يحفظك  الله في سعادة وسط أحبابك ويحفظ غواليك.

سمراء النيل(د. سلمى النور)


السبت، 25 يوليو 2020

كم عمرك؟


كم عمرك؟

حين يسألك طفل صغير بلسانه المعجون بالطفولة: كم عمرك؟
تبتسم له وتجيب إجابة صادقة عن عمرك في الغالب.
إما إذا سألك شخص بالغ وإن كانت امرأة جميلة، فلن تجيبها على الأغلب بصدق وقد تتشابك مشاعر توتر أو غضب أو استياء من هذه الفضولية، وتتساءل عن دوافع سؤالها، وتنظر بشك كبير وقد تحمل سؤالها هذا لآخر يومك تحمله ما لا يحتمل أصلاً من سيناريوهات.
 عند المساء تحاور وسادتك اليتيمة وتخبرها أن إحداهن سألتك عن عمرك: لماذا؟
إذن العيب ليس في السؤال في حد ذاته لنعتبرها قلة أدب أو وقاحة فالرقم ليس خطيرا ولا مميزا مهما كان .... إنما الحقيقة كم عمرك......؟
بمعناها الأشمل كيف قضيت عمرك إلى الآن وهو سؤال تهرب من الإجابة منه حياً لتلقاه بكل قسوة في قبرك حيث لا مناص لك حينئذ.
كم عمرك؟
أين قضيت طفولتك؟ كيف كانت؟ أين هم أصدقاء الطفولة الذين شاركوك بها فرحاً أو أوسعوك بها ضرباً...؟
أين شبابك حين كنت لا تحتاج للتباهي، يكفي شبابك واستقامة فرعك وابتسامة حيويتك وركضك المجنون بين أزقة الجامعة أو توتر دقات قلبك حين ترى الفتيات؟ 
أين هي الآن من أعطيتها القلب مرة ونسيته عندها ورحلت هي بأمانتك؟
 أين هي حبيبة العمر التي لم أسترد منها شيئاً يخصني بعد؟
أتراه بين يديها أم سقط حين غفلة يوم زواجها، أو ربما ألقت به متعمدة غاضبة وسُحق على الطرقات الصامتة...
أين عملك الآن؟
 حين تتربع على كرسي مكتب تعبت كثيراً في الحصول عليه وبسببه تتأخر عن عودتك للبيت وبسببه أيضاً زاد مظهرك تقدماً في السن، ظهرت البطن التي تصارع حزامك كل صباح، أعلن شعرك الأبيض وجوده متبجحاً بتميز مكروه بين شعيراتك السوداء المتهالكة....
أين عائلتك الآن..؟
ألك انجاز مع أقرانك ولو بالأطفال...؟
ألك...... ألك.......... ألك....؟
ما هو عمرك إلا سؤال محور في حقيقته لقساوته ورجعيته لأصل: أين عمرك؟ صرنا نخفف عن أنفسنا ونسأل بعضنا كم عمرك؟
 بل صرنا نحتفل أحياناً كثيرة بأعياد ميلادنا التي تسعدنا ببهجتها الآنية لتعيدنا للمربع الأول والسؤال الصحيح: أين عمرنا...؟
أين يجري... في نهر الزمن لا يلوي على شيء محدد واضح الملامح، نراه فنرتاح أو نصل إليه ذات حلم؟
فلا يسألني أحدكم عن عمري.... فعمرى أنشره على صفحات والوريقات
دمتم بخير دوماً
سمراء النيل(د .سلمى النور)

الخميس، 23 يوليو 2020

خمس دقائق


خمس دقائق

كل تطبيق حملته على جهازك و أعطيه الإذن و سجلت فيه يظل يتربص بك بكل هدوء...
 فأنت أنزلته سعيداً بل متحمساً أيضاً لما فيه، و سرعان ما يصيبك البرود تجاهه مثل لعبة حصل عليها طفل بعد بكاء ساعتين ثم ملّها سريعا و رمى بها بعيداً قبل أن تتم حق الضيافة و إكمال ثلاثة أيام.
هكذا يغريك الجميع في البدء هي خمس دقائق أو أقل تكفيك لتحميل ما تريد من الانترنت السعيد.
ثم تجد أنك في ورطة مع امتلاء ذاكرة جهازك المحدودة و كلام أصدقائك اللامحدودين عبر الأثير و صورهم و أخبارهم تتطفل على شاشتك كل لحظة بلا استئذان أو احترام لخصوصيتك.
ثم لأنك تحب التعلم والتطور فتدهشك نفسك بعد ظهور إحدى إعلانات تعلم اللغات وتذكرك بأنك كنت تحلم يوماً بتعلم إحدى اللغات الأجنبية...
تبتسم  و تحمل التطبيق الذي تبدأ أول يومين مبهوراً ثم تغلقه و تنساه و تتراكم التطبيقات و تتكاثر...
و أنت بالنيّة الحسنة تُمنى نفسك رويداً رويداً فما هي إلا خمس دقائق...
و ذات لحظة يحتار أصبعك حين يكتشف أن لعبتك المفضلة تسكن بجوار تطبيق اللغات المنسي.
هنا اختبارك الحقيقي أيهما ستفتح...؟
 من سينتصر....؟
 اللغة أم اللعبة...؟
 العلم أم الترفية...؟
 لغتك المنتظرة أم لعبتك التي أحرزت فيها مراحل متطورة...؟

- إنه اختيار سهل بل تافه...
لأنني ببساطة أهتم للعلم و تطوير نفسي و إلا لما حملت التطبيق منذ زمن، لكن يصدُف الآن - بقدرة القادر- أنني سعيد و أريد مكافئة نفسي،  فقررت أن العب قليلاً و بعد ذلك أتفرغ للعلم....
 لأن العلم بالتعلم و بحاجة لأكثر من خمس دقائق التي سأعطيها للعبة... أفهمت..؟!!
سأتركك الآن وأعود إليك فيما بعد...

- حسناً... أين أنت الآن؟

- أها.. عدت  مجدداً، مازلت في اللعبة.
- أتدري... كم الساعة الآن؟
- أعتقد أن وقت نومي قد حان، فغداً أمامي عمل كثير وعلم كثير ففي الغد سأتعلم...
 يأتي الغد و للأسف تمر الخمس دقائق أيضاً تلوَ الأخرى...
خمس دقائق فقط وسيمضي العمر سريعاً..
دمتم بخير دوماً...
سمراء النيل (د. سلمى النور).

الثلاثاء، 21 يوليو 2020

المعترض


المعترض

من الصدق والصراحة أن يهاجمني أحدهم قائلاً: يا لك من حمقاء ما شأن قراء مدونتك بأمورك الشخصية؟ لم تقحمينهم فيما لا يعنيهم؟
سألته متعجبة: مثل ماذا؟
- ضحك وقال: أمورك السخيفة مثل جهاز حاسوب تعطل أو إحدى بناتك مريضة أو ذهبت إلى مكان كذا..... أتعرفينهم بشكل شخصي؟!
- ابتسمت بهدوء: أغلبهم لا أعرفهم بشكل شخصي لكن أفهمهم وأتفهم أغلبهم وأمتن لوجودهم معي.
مصارحتي لأشخاص يشاركونني صفحة يجعل مني ملتزمة ناحيتهم بشكل جدي ومن حقهم إذا تأخرت أن أعتذر لهم بشكل لائق يرضيهم.
  - ضحك بجنون: أقسم أنك بلهاء أيضاً أتظنين أننا خلف هذه الشاشة لا عمل لدينا سوى انتظار تدويناك البسيطة هذه الخالية من المعنى في الكثير من الأحيان؟
- سألته مستفهمة: عذراً.... لم أفهم ما ترمي إليه؟
- قال بعصبية: إن الكون لا يدور حولك أيتها السمراء، إذا كتبت جيد و إذا لم تفعلِ ارتحنا منك لفترة، مهما كان ظرفك فلا داعي لتقحيمينا فيما لا ينفع.
- قلت له بأدب جم:
- قد تكون عيوبي كثيرة إلا أن تجاهل أشخاص وثقوا بي قاطعني بغضب: وثقوا بي... كيف تعلمين ذلك...؟ أنت لا تعرفين معني الثقة إذن.
- أشرت له بيدي وقلت له:
 أعذرني.... التجاهل ليس من صفاتي أبداً لذا لا أتجاهل أحداً طرق باب مدونتي بل وخط بأنامله سطراً سواء ايجاباً أو بالسلب على حسب رأيه، هذا جزء من الثقة.
أن يعيرني اهتماماً... أن يسألني حتى ولو على الخاص الذي لا تراه أنت،  يسألني مبادر بقوله لي: لم تأخرت...؟
ثقته مع زحمه انشغاله يمر على مدونتي يقرئني السلام
 ثقته إذا تأخر لسبب أو لآخر عاد و قلب ما فاته من حديث وأوصل لي ذاك بالرغم من مسؤولياته ووجود صفحات تعلوني كثيراً أدباً و قصصاً و فناً إلا أنه يظهر لي و يخبرني بوجوده.
 ظهرت دهشته على محياه عقدت لسانه فقلت له:
 عزيزي المعترض: 
 هناك الكثير من الإغراءات حولنا... ويكفيني شرفاً أن أصدقائي قادرون على رؤية شمعتي الصغيرة وسط أنوارهم الساطعة دوماً
دمتم بخير جميعاً أيها المعجبون والمعترضون.
سمراء النيل(د.سلمى النور)

إضاءات



إضاءات

رواية الضمير النائم

كُتبت قبل ثمان أو تسع سنين وخبأت في الأوراق وعاشت في الدرج لسنوات، وحين صُدرت الطبعة الأولى 2014، كانت هي التجربة الأولى لي فباءت بالفشل وأنهيت التعاقد مع دار النشر، والآن بعد نشرها على المدونة بناء على طلب أصدقاء الأعزاء وأنا أعيد قراءتها قبل نشرها، أدركت كم الاختلاف الذي اعتراني خلال هذه السنين بل وكدت ألغي نشرها لضعف مستواها كما أراها الآن.
نعم أختلف  مستواي كثيراً ونضُج  وصرت أضحك على ظني حينها، فرحت أيضا لأن لدي ماض أستطيع الرجوع إليه وأعقد بعض المقاربات والتحليلات وبدت لي المؤشرات جيدة حيث أرى أنني تطورت بشكل ملحوظ.
وأتمنى أن أصل للمزيد وأن أملك الجرأة لإخراج روايات مبتورة مثلها مازلت مختبأة بين الأوراق
وقد أفعلها ذات يوم
شكرا لدعمكم... دمتم بخير دوما
سمراء النيل(د. سلمى النور)


الضمير النائم الجزء الأخير


الجزء الرابع عشر والأخير

ازدادت كآبة انجليا بدرجة كبيرة و أحست بأن الدنيا كله تقف ضدها فلم تبتسم لها يوما، و لم يعد لها أمل في الحياة، مع أن شارلينو الآن ينتظرها و هو ما زال على وعده لها أن يتزوجها ثم يعودا معا لأفريقيا و لكن بعد ماذا .. ؟ بعد أن فات الأوان.
هجرت البيت و قررت أن تبدأ رحلة البحث عن كاثرين و جوليان فدوميزا قد تأخر عليها و هي لم يعد لها المزيد من الوقت. كانت تعلم أنها مريضة بمرض خطير، و أنها لن تعيش طويلاً، و ظهر واضحاً في جسدها النحيل و قد أنهكها التعب و بدا المرض يسري في جسدها.
سعدت انجليا كثيرا باهتمام فريكا و خوفها عليها، فحكت لها انجليا الحقائق الجديدة التي كشفها لها دوميزا و أن انجليا لن تسامح والدها أبداً، ولا تتمنى له الراحة حتى في قبره بعد أصبح هو السبب في معاناتها، كما صارحتها لأول مرة بأنها مريضة بمرض لا شفاء له لذلك فهي تحاول أن تبعد شارلينو عنها.
 تعبت انجليا ما يقرب من ثلاثة أشهر و كلما جاء إليها شارلينو بطبيب ليعالجها ثارت فيه و منعته، جن جنون شارلينو لتصرفاتها الغريبة و لكنه في النهاية ينزل تبعا لرغبة انجليا و يخضع لطلبها، و رفضت انجليا أن تصارحه بأمر مرضها.
و ها هو شارلينو يراها تذوي أمامه يوما بعد يوم.
و ما أن شعرت بنفسها قد تحسنت يوما حتى تسللت من المنزل وخرجت لزيارة منزل كاثرين وجوليان القديم الذي عاشت فيه أحلى أيام وأنجبت شارلينو الصغير، ولكن لقد تغير المكان و الوجوه و الزمن، لم يبق شئ على حاله بحثت عن المنزل القديم حتى عثرت على بقاياه وجدته بنصف سقف و باب مكسور تعمه الفوضى و الخراب، أزاحت قطعة من الخشب وجلست عليها. مر شريط حياتها أمام عينيها بسرعة، طفولتها ، بيعها ، هروبها ، فقدانها للذاكرة  ........ إلى حملها للمرض الخطير .
نهضت بضعف لا تقوى ساقاها على حملها  خرجت من الباب ، و سقطت على الأرض رفعت رأسها فرأت أمامها شجرة هرمة و لكنها كبيرة الحجم  وارفة الظل  ظلت شامخة رغم أنف زمانها مع أن بعض أغصانها غادرتها الحياة ، ولكن  القلب ظل ينبض متحدياً الجميع لم تستطع الوقوف لتصلها فزحفت إليها ووصلت لها فاحتضنتها و بكت ... أيتها الشجرة أنا مثلك الآن لا انتظر إلا الموت و لكن أنت أحسن مني حالا أنت قدمت الكثير في حياتك أما أنا  .... آآآه أيتها الشجرة لو تدرين ما بي من لوعة ، من حزن ، من أسى ، أريد أن أموت هنا فقط بجوارك يا صديقتي اتكأت عليها ،وسرحت بفكرها مع هدوء المكان وجمال الظلال ، كان الهواء منعشا ومشجعا على الإسترخاء ومالبثت أن غرقت في نوم عميق .
 لم تصحو منه إلا على صوت فريكا خادمتها المخلصة فتحت عيناها لترى فريكا و شارلينو و دوميزا  معاً   قالت  فريكا بحزن واضح : سيدتي هيـا بنا نعود للبيت.
حركت ذراعيها لتعاود لهما بعض النشاط و اعتدلت انجليا قائلة : لالا ...أريد أن أموت هنا .
 تدخل شارلينو قائلا : لا تقولي هذا سنعيش حلمنا الجميل .
 أشارت برأسها نافية .
قال دوميزا : لقد كنت أبحث عن جوليان و كاثرين و قد أوشكت على العثور عليهما ، لم أقصد أن أتركك صدقيني .
 جلس شارلينو بجوارها ، قالت انجليا : إذا أردت خدمتي فهيئ لي بقايا هذا المنزل ليحتويني و أموت فيه .
 قالت فريكا : أيعقل هذا !! أتموتين و أنت ما زلت شابة و أعيش أنا العجوز ؟
كانت فريكا الخادمة المخلصة قد انحنى ظهرها مع تقدمها في السن ، و قد خدمت انجليا منذ زمن بعيد و جمعتهما سنين بحلوها و مرها .
 كانت فريكا نقية محبة لانجليا بطيئة الخطى كعادتها  وقد تعبت كثيرا في حياتها إلى أن وصلت لخدمة انجليا.
فتحت انجليا  قلبها وحكت لها ، احتوتها فريكا بحنان و حكمة  الأم و الآن فريكا تعلم بمرض سيدتها و لكنها لا تملك لها شيئا .
 أشار شارلينو لفريكا التي تحركت مبتعدة عنهما و مسحت دمعتين محترقتين سالتا على خديها .
 قال شارلينو: لا أريد أن أسمعك تودين الموت  .
 فقالت انجليا بيأس : أنت لا تفهم شيئا .
 أمسك بيدها و ربط لها تلك الضفيرة و هو يقول : و ما معنى إصابتك بذلك المرض ، بدأت الدهشة واضحة في عينيها و لم تنطق بل تركت دموعها تجيب في صمت في حين أكمل شارلينو : حبيبتي الذنب ليس ذنبك و أنا أحبك بكل ما فيك و أنت بريئة .. أنت ضحية مجتمع ظالم .. لا ليس المجتمع فقط بل العالم كله ، ذلك العالم الذي يرى الظلم و يسكت عليه .
 انفجرت باكية و قالت : أنا أستحق ما أصابني ، إنه بسبب عملي الدنيء الذي امتهنته طوال تلك السنين ، إنني عاهرة سافلة بائسة .
وضع شارلينو يده على فم انجليا مغلقا إياه و قال : لا تقولي هذا ، إياك أن تعيدِ هذه العبارة مرة أخرى ، بل أنت أشرف و أطهر من عرفت ... أنت رمز فضيلتي يا درتي .
دفنت وجهها في صدره باكية ، و هي تتخلص من آخر سر أثقل كاهلها .
انضم دوميزا إليهما و رأى بكاء انجليا الذي يمزق أحشائه وقال :إني أعدك أن أحضر لك كاثرين و جوليان . نطق عبارته و انطلق من فوره حزيناً ، صامتاً .
 ضماها شارلينو إليه أكثرفي هدوء فقالت انجليا : أشعر بالبرد .
ارتجفت في حضنه فحملها و أراد المغادرة إلا إنها أصرت أن تبيت بالمنزل فأعادها إلى صديقتها
 الشجرة ، و تفرغ هو و فريكا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المنزل .
 كان المنزل بحاجة لتصليحات عديدة و لكنهما بذلا جهدهما لإصلاح غرفة واحدة فقط ، و كانت من نصيب الأكثر تحملا بقايا غرفة سقط بعض سقفها و انخلع بابها ، فأصلحاها و جهزاها لتكون  قابلة للمبيت فيها . انتهى شارلينو و ذهب إلى انجليا كانت قد هدأت قال لها : أتذكرين وعدنا عند تلك الشجرة العجوز الهرمة التي لم تفعل شيئا في حياتها أجمل و أفضل من أنها احتوتنا حين كنا صغاراً ، و ها هي أختها تضمنا كباراً .
 ضحكت انجليا لأول مرة و تسارعت دمعتين تجريان على خد شارلينو  فقال : كم تمنيت ضحكتك هذه .
 ابتسمت انجليا و قالت : لقد سُرق عمرنا و لم نفعل به شيئا يذكر .
 أمسك يدها و قال : ما زال هناك الكثير.
 قالت : أخشى عليك يا حبي و أنت ما زال الطريق أمامك .
تمسك بها أكثر قائلاً : لن أعيش بعدك ثانية صدقيني .
ابتسمت انجليا و نظرت إليه و مسحت دموعه في هدوء، و لكن فجأة أصابتها نوبة سعال حادة و بدأت تتقيأ دما كانت مصابة بداء الرئة و قد بلغ منها المرض مبلغه ، حملها للبيت كانت فريكا قد أحضرت معها بعض الطعام ارتاحت انجليا قليلاً، و بعدها تناولت القليل من الطعام مع فريكا و شارلينو.
 حين وضعت صحنها ، قالت انجليا : لأول مرة أشعر بالسعادة و الراحة ، و لكنها لن تكتمل إلا بعد أن أرى كاثرين و جوليان ، أرجو أن يعثر عليهم دوميزا بسرعة ، و تنقلت ببصرها بين أرجاء الغرفة و أكملت : أتعلم ، هنا أنجبت شارلينو الصغير الأول و لكنه مات ، هنا أدفن أجمل ذكرياتي أريد أن أموت هنا و أنتم بجواري فلم يبق لي الكثير.
 بكت فريكا لكلام سيدتها ربتت عليها انجليا و قالت مبتسمة :
لا تحزني يا فريكا العزيزة أرأيت نهراً عاد يوما إلى الوراء، إنها سنة الحياة .
نهض شارلينو بصمت و غادر المنزل، كان الليل قد بلغ منتصفه حين وضعت انجليا رأسها فوق الوسادة و تأملت النجوم المطلة عليها من السقف المكسور ، نامت لأول مرة براحة ، و في الصباح أحضرت فريكا كل مستلزمات انجليا من البيت في حين كان دوميزا  يبحث بكل جد عن كاثرين و جوليان .
                                       
********************

أقامت انجليا ما يقرب من  شهر في تلك الغرفة و كان الداء قد استحفل في جسمها النحيل كانت تنتظر هي و شارلينو دوميزا  بلهفة لعله يحمل لها أخبارا عن جوليان و كاثرين.
لم تعد تقوى على الحركة ، لكن في ذلك اليوم الذي  بكت فيه الطيور شعرت انجليا بنشاط مفاجئ فغادرت مكانها و خرجت و ذهبت حتى البحر و أخذت حماما رائعا و في طريق عودتها ، عاودتها نوبة السعال و تقيأت الكثير من الدم ..
بعد ذلك واصلت طريقها و جلست عند صديقتها الشجرة كان الجو جميلاً و نسمات الهواء مرت تداعب انجليا التي ابتسمت ، و أغمضت عينيها في هدوء و هي متكئة على الشجرة ، أتاها صوت شارلينو الملهوف من بعيد فتحت عينيها  لتراه يأتيها مسرعا . قال لها و أنفاسه تتسارع :  لقد عثر دوميزا على كاثرين و جوليان  سيأتيان بعد قليل.
 هبت انجليا واقفة غير مصدقة و قالت : أحقا ما تقول؟!!
 رد شارلينو بفرح : نعم يا حبيبتي .
 عانقته في سعادة غامرة بعدها جلست معه تحت الشجرة و أحضرت فريكا الغداء .
 قالت انجليا : سأنتظر كاثرين و جوليان حنى نأكل معاً.
 تركتها فريكا و عادت للكوخ ، قالت انجليا : أشعر اليوم بتحسن ونشاط مفاجئ... ربما.. ربما سأموت.
هز رأسه  نافياً و قال : و لماذا لا تقولي إنه بسبب إحساسك بقدوم كاثرين و جوليان.
 تحدثا قليلا و لكن فجأة أحست انجليا بألم في الصدر ، و تقيأت دما أكثر  أراد شارلينو إدخالها البيت لكنها رفضت قائلة : سأنتظر كاثرين و أخيها هنا في الخارج .
 لكن المرض لم يمهلها لقد تعبت كثيراً ، أسرعت فريكا و أحضرت لها وسادة و لكن مع اقتراب وقت الأصيل طلبت من شارلينو أن يساعدها على الوقوف ووقفت بمساعدته تتأمل في آخر غروب للشمس تراه .
 هبت نسمات رائعة فتطاير شعرها الجميل أمام شارلينو نظرت إلى شارلينو ما يقرب من دقيقة لم ترمش خلالها، وبعدها أغمضت عينيها فأجلسها شارلينو والدموع في عينيه فقد أدرك إن المرض تمكن منها لأقصى حد فتحت عينيها لترى فريكا تبكي وشارلينو بجوارها لا يستطيع أن ينظر إليها ابتسمت انجيلا قائلة : ما أسعدني  أن أموت وأنتم  بجواري .
قال شارلينو بتوسل :لا تتركيني لوحدي.
 قالت انجليا : سأترك هذا العالم الظالم كله واذهب حيث لا ظلم في العالم الأخر وسأنتظرك هناك.
 بكى شارلينو بصوت مسموع كان صوتها يضعف أكثر وهي تنادي: حبيبي شارلينو...أرجوك لا تبك ،وأنت يا فريكا العزيزة كفاكما.
 رفع رأسه ولكن لم يستطع الكلام قالت انجليا:  إذهب لترى هل وصل جوليان و كاثرين ؟
هز رأسه بالنفي وقال دامعاً: لن أتركك تذهبين، و تمسك بها أكثر متناسيا أن الموت لن ينشب أظافره فيها ليخطف روحها طالما هو حارسها .
 نظرت لفريكا و قالت: إذهبي أنت وأخبريني نهضت فريكا والدمع يغلبها و عادت تحث خطواتها البطيئة بسرعة وقالت : لم يصلا بعد أرجوك حاولي أن تحتملي حتى يصلا.
 قالت انجليا: أيعقل ألا  أراهما لقد كنت أعيش لأرى ابنتي كاثرين الصغيرة أمامي فتاة ناضجة رائعة و جوليان رجل راشد.
 قال شارلينو: سيصلان بعد قليل ، تماسكي .
كان الموت بالقرب منها فضحك منه بسخرية دامية
قالت انجليا:  كنت أخشى أن أموت لوحدي، أما الآن فما أسعدني بوجود فريكا و شارلينو .
أشارت بيدها و قالت:  حبيبي فك هذه الضفيرة واحتفظ بها.
نظر إليها فتأملته و تجمعت الدموع في عينيها و لكنها جمدت ولم تستطع النزول ، و هنا غادر الموت حاملا روح انجليا التي بدت بغاية السعادة فقد أسلمت روحها فماتت و عينيها مفتوحتان ناداها شارلينو إلا إنها لم ترد، أدركت فريكا أن سيدتها ماتت تأملت عيناها الجميلتين قبل أن تغلق عيناها.
وهي تقول:  لقد ماتت يا شارلينو.
 أطلق شارلينو صرخت حملت كل آهه وانطلقت تشق سكون الليل وكبد السماء. ابتعدت فريكا تبكي بمفردها في حين وضع شارلينو رأسه على صدرها و انخرط في عويل جارف.
 رفعت فريكا رأسها لترى أشخاصا قادمون رأت دوميزا يتقدم  رجلين و فتاه وطفلة تقدموا  جميعا و سألتها الفتاه الجميلة: أين انجليا ؟؟
لم تجب فريكا  فسألتها الفتاه بقلق:  ما الذي حدث ؟؟ أين انجليا ؟!!
 لم تجب فريكا بل أشارت للشجرة انطلق دوميزا  نحو انجليا واندفعت الفتاه والرجلين .
هناك رأوا انجليا ترقد كأنها نائمة في هدوء بابتسامة جميلة وشعرها المتناثر حولها وقد انكفأ رجل عليها ، امتلأت عيني الفتاة بالعبرات فتحدث دوميزا مخاطبا شارلينو إلا إنه لم يسمع أي رد، فحركه قليلا فسقط أمامه ميتا.
وبكى دوميزا حاضنا شارلينو، هنا انفجرت الفتاة باكية ، تقدمت فريكا ببطء لترى سيدتها وشارلينو قد فارقا الحياة.
 بالفعل كان صادقا لم يستطيع أن يعيش بعدها ،لقد عاشا في زمن لم يرحم طفولتهما و براءتهما ، غدر بهما الزمن والناس.
أحبا بعضهما ففرقتهم الظروف وجمعهم القدر ليموتا معا .ضحك القدر فيهم ولعب بهم الزمن، فتركوا الدنيا بما فيها.
كانت الفتاه هي كاثرين الصغيرة لقد أتت ومعها أخيها جوليان وزوجها  ، وقد أنجبت طفلة جميلة سمتها انجليا الصغيرة ، فقام الجميع بدفن شارلينو و أنجيليا تحت الشجرة وانتقلت تلك الضفيرة إلى يد انجليا الصغيرة.
 ظلت تلك الضفيرة في  يد طفلة بريئة سيحميها والديها لكي تحمل اسم انجليا و لا تعيش مأساتها  ..... 
ولكن هل انتهى الأمر حقا................

الاثنين، 20 يوليو 2020

الأطفال


 الأطفال

دائماً ما أؤمن بمقولة "الأطفال لا يمكن إئتمانهم" فنحن لا نستطيع أن نضمن نجاحهم مهما فعلنا، ولا طاعتهم... ولا حتى برّهم بنا إذا كبرنا.
الأطفال رهان كبير تستثمر فيه الكثير والكثير من صحتك وعقلك وراحتك النفسية ومالك وربما تخسر الكثير من أحلامك الخاصة في سبيلهم.
تقدم الكثير من التضحيات طواعية يدفعك حب ودفء تود أن تقدمه لأحد يستحقه، ولا أحد أفضل من طفل أنجبته أو ربيته منذ كان مضغة لحم ضئيلة الحجم والتفكير...
 تحمله أنت ويغريك ببراءة عينيه وابتسامته الطاهرة وصوته المتقطع، لتسقط في فخه وتقطع وعداً له بأنك ستفعل ما بوسعك لتحقق له ما يريد، وتوفر له معيشة كريمة...
وترى في النهاية الأمر أن هذا الكائن يقوم كمصاص دماء باستنزافك وأنت مخدر بسحر طفولته، تحقق له ما يريد من ألعاب وملابس وطعام بنفس راضية بل سعيدة جداً لسعادته.
 هو ما لا تدركه أنت إلا بالتجربة المريرة أن حزنه وألمه يتضاعف عليك ويلقى عليك بهراوة غليظة تجعلك في حيرة تتقلب فيها بوجع عميق رهيب.
لكم تمنيت أن أكون مخطئة، وألا تصدق أسوأ كوابيسي حين أحضرت صغيرتي تعاني من ألم ببطنها، جعل الطبيب يأمر بتحويلها للجراحة لإزالة التهاب حاد في الزائدة الدودية.
وها أنا الآن أجلس خارج غرفة العمليات بانتظار خروج الطبيب ليقول لنا شيئاً.... 
في مثل هذه اللحظات يخونك كل شيء حتى أبسط أحلامك، أما لساني الثرثار عادة صمت بحيرة يقتات السكوت والصبر الرهيب.
رن هاتفي فجأة لتحدثني الممرضة عن نجاح العملية وعليّ الذهاب لباب آخر فما عاد الطبيب يخرج من نفس الباب الذي يدخل منه، كل شيء يتطور ويتغير إلا الألم.
 بعد عدد من التوجيهات وصلنا للباب الموعود وتم إدخالي و تراجع والدها مرغماً فالشروط تقضي بدخول أحدنا....
وكنت أنا ذاك الشخص الذي رآها ممددة نائمة، بانتظار أن تفتح عينيها...
 وهنا خلف الستار استطعت أن أزيح كل أدوار البطولة والقوة التي مثلتها طوال اليوم بمهارة أمام الجميع لأبكي لها ولنفسي ولدور الأم الذي يهد الجبال...
لم قبلت بهذا الدور المؤلم، لم فرحت بأمومتي وسعيت للاستزادة...؟
أظنني أبكي خوفاً عليها أم ندماً على قراري أم خوف ذاك القاهر الذي يتربص في أرجاء المستشفى عادة....
لا أدري سوى أني استغفرت الله وشكرته أن وهب لي ولها فرصة ثانية جميلة كروعتها، و كففت دمعي بابتسامة واثقة كما عهدتني، وارتديت ثوب القوة الزائف لأغادر المستشفى كله عصر غد وأعود للبيت سعيدة فمازالت الأحلام تتراقص والأغنيات لا تنام.
الحمد لله دائماً وأبداً... دمتم بصحة وعافية.
سمراء النيل (د. سلمى النور)